هَذَا أَنَّهُمْ قَدِ اعْتَادُوا الْخُضُوعَ لِلشُّرَفَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَازُوا عَلَيْهِمْ بِمَعَارِفِهِمْ وَصِفَاتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ نَبِيِّهِ فِي أُولَئِكَ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُلْكِ يَكُونُ بِالنَّسَبِ وَسَعَةِ الْمَالِ بِقَوْلِهِ:
(قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) فَسَّرُوا اصْطِفَاءَ اللهِ تَعَالَى هُنَا بِوَحْيهِ لِذَلِكَ النَّبِيِّ أَنْ يَجْعَلَ طَالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ ، وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَقَالَ: اصْطَفَاهُ لَكُمْ كَمَا قَالَ: (اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) (2: 132) وَالْمُتَبَادَرُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ فَضَّلَهُ وَاخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ بِمَا أَوْدَعَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ الْفِطْرِيِّ لِلْمُلْكِ ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَ اخْتِيَارِهِ كَانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هِيَ بَيَانٌ لِأَسْبَابِ الِاخْتِيَارِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (1) الِاسْتِعْدَادُ الْفِطْرِيُّ (2) السَّعَةُ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّدْبِيرُ (3) بَسْطَةُ الْجِسْمِ
الْمُعَبَّرُ بِهَا عَنْ صِحَّتِهِ وَكَمَالِ قُوَاهُ الْمُسْتَلْزِمِ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْفِكْرِ عَلَى قَاعِدَةِ (الْعَقْلُ السَّلِيمُ فِي الْجِسْمِ السَّلِيمِ) وَلِلشَّجَاعَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُدَافَعَةِ وَلِلْهَيْبَةِ وَالْوَقَارِ