قلت: هذا تفريع على نجاسة الكلب، ويتقرر على مذهبنا، «بأن الكلب لما كان أخس الحيوان وأقذره، ومع ذلك فإذا اتصف بعلم الاصطياد، شرفه الشرع، وعظمه وجعل صيده حينئذ قوام الأجساد، ومحترما عن الإفساد، فكذلك نرجو من سعة رحمة الله أن يتشرف العالم بالله حتى لا تلحقه إهانة بسبب ما يطرأ عليه من قوادح المخالفات، وعلى هذا المأخذ أخذها القرافي في هذا المقام» .
«النكتة الخامسة:
القلب رئيس الأعضاء، وتلك الرياسة ليست للقوة، فإن العظم أقوى منه، ولا للعظم فإن الفخذ أعظم منه، ولا للحدة فإن الظّفر أحد منه، وإنما تلك الرياسة بسبب العلم، فيكون العلم أشرف الصفات».
«النكتة السادسة:
كان لسليمان عليه السلام ملكان حتى إنه كان يقول: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [سورة ص] ، ومع ذلك فلم يفتخر بذلك، وإنما افتخر بالعلم فقال:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [سورة النمل] .
قال الإمام: فإذا حسن من سليمان عليه السلام أن يفتخر بذلك العلم،
فلأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين كان أحسن.
قال: في غرض استقراء ما يدل على فضيلة العلم من هذا الموضع: ولأنه قدم ذلك على قوله: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة النمل] وأيضا فإنه تعالى كما ذكر كمال حالهم قدم العلم أول الأقوال: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} إلى قوله: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} .
ثم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال الدنيا فدل على أن العلم أشرف اهـ.
النكتة السابعة:
الهدهد مع أنه في نهاية الضعف والحقارة، ومع أنه كان في موقف المعاتبة قال لسليمان عليه السلام: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} . وذلك خطاب يؤذن باعتزاز نفسه، واستعلاء كلمته على سيد أهل الزمان، ورسول الملك الديان.
قال القرافي: «فلولا أن العلم يرفع من الثرى إلى الثريا، لما عظم الهدهد بعد أن كان يود لو كان نسيا منسيا، فلا جرم أبدل له العقوبة بالإكرام النفيس، وأسبغ عليه خلع الرسالة إلى بلقيس» اهـ.
قال الإمام فخر الدين: «ولذلك نرى الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول على السلاطين، وما ذلك إلّا ببركة العلم» .
«النكتة الثامنة: