وَإِنَّمَا جُمِعَ قَلِيلُهُ عَلَى أَفْعَالٍ، وَلَمْ يُجْمَعٍ عَلَى أَفْعُلٍ مِثْلَ سَائِرِ الْجَمْعِ الْقَلِيلِ الَّذِي يَكُونُ ثَانِي مُفْرَدِهِ سَاكِنًا لِلْأَلِفِ الَّتِي فِي أَوَّلِهِ، وَشَأْنُ الْعَرَبِ فِي كُلِّ حَرْفٍ كَانَ أَوَّلُهُ يَاءً أَوْ وَاوًا أَوْ أَلِفًا اخْتِيَارُ جَمْعِ قَلِيلِهِ عَلَى أَفْعَالٍ، كَمَا جَمَعُوا الْوَقْتَ أَوْقَاتًا، وَالْيَوْمَ أَيَّامًا، وَالْيُسْرَ أَيْسَارًا؛ لِلْوَاوِ وَالْيَاءِ اللَّتَيْنِ فِي أَوَّلِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُجْمَعُ ذَلِكَ أَحْيَانًا عَلَى «أَفْعُلَ» ، إِلَّا أَنَّ الْفَصِيحَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا ذَكَرْنَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
كَانُوا ثَلَاثَةَ آلُفٍ وَكَتِيبَةً ... أَلْفَيْنِ أَعْجَمَ مِنْ بَنِي الْفَدَّامِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {حَذَرَ الْمَوْتِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ فِرَارًا مِنْهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ وَمَنٍّ عَلَى خَلْقِهِ بِتَبْصِيرِهِ إِيَّاهُمْ سَبِيلَ الْهُدَى وَتَحْذِيرِهِ لَهُمْ طُرُقَ الرَّدَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي يُنْعِمُهَا عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ، وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. كَمَا أَحْيَا الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ بَعْدَ إِمَاتَتِهِ إِيَّاهُمْ وَجَعْلِهِمْ لِخَلْقِهِ مَثَلًا وَعِظَةً يُعَظُونَ بِهِمْ عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ. وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِهِ، فَيَسْتَسْلِمُونَ لِقَضَائِهِ، وَيَصْرِفُونَ الرَّغْبَةَ كُلَّهَا، وَالرَّهْبَةَ إِلَيْهِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يُنْعِمُ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ بِنِعَمِهِ الْجَلِيلَةِ وَيَمُنُّ عَلَيْهِ بِمِنَنِهِ الْجَسِيمَةِ، يَكْفُرُ بِهِ، وَيَصْرِفُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَتَّخِذُ إِلَهًا مِنْ دُونِهِ، كُفْرَانًا مِنْهُ لِنِعَمِهِ الَّتِي تُوجِبُ أَصْغَرُهَا عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ مَا يَفْدَحُهُ وَمَنِ الْحَمْدِ مَا يُثْقِلُهُ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}