إما مع"ألْ"وإمَّا مع"مَنْ"، وإما مع"الإضَافَةِ"، لكن مِنْ ممتنعةٌ؛ لأن معها يلزمُ الإفرادُ والتذكير والإضافة فِي اللفظِ؛ فقدَّرنا عدلَهُ عن الأَلِفِ واللاَّم، وهذا كما قالُوا فِي"سَحَرَ"إنَّه عدلٌ عن الألِفِ واللام، إِلاَّ أنَّ هذا مع العلميَّة، ومذهَبُ سيبويه: أنه عدل من صيغة إلى صيغةٍ؛ لأنه كان حقُّ الكلام فِي قولك:"مَرَرْتُ بِنِسْوَةِ أَخَرَ"على وزن"فُعَلَ"أنْ يكون"بنِسْوَةٍ آخَرَ"على وزن"أَفْعَلَ"؛ لأن المعنى على تقدي"مِنْ"فعُدِل عن المفرد إلى الجمع.
وأمَّا الضربُ الثَّاني: فهو منصرفٌ؛ لِفُقْدَانِ العلَّة المذكورة، والفرقُ بين"أُخْرَى"التي للتفضيلِ، و"أُخْرَى"التي بمعنى متأخِّرة - أنَّ معنى الَّتي للتفضيل معنى"غَيْرَ"، ومعنى تِيكَ معنى"متأخِّرة"؛ ولكونِ الأُولى بمعنى"غَيْر"لا يجوز أن يكونَ ما اتَّصلَ بها إلاَّ [منْ جنس ما قبلها؛ نحو:"مررتُ بِكَ، وبرَجُلٍ آخر"ولا يجوز"اشْتَرَيْتُ هَذَا الجَمَلَ وَفَرَساً آخَرَ"؛ لأنه من] غير الجنْسِ، فأما قوله فِي ذلك البيت: [البسيط]
934 -صَلَّى عَلَى عَزَّةَ الرَّحْمنُ وَابْنَتِهَا ... لَيْلَى وَصَلَّى عَلَى جَارَاتِها الأُخَرِ
فإنَّه جعل ابنتها جارة لها، ولولا ذلك، لَمْ يَجُزْ، ومعنَى التفضيل فِي"آخر"و"أَوَّل"، وما تصرَّف منها قلِقٌ مذكورٌ فِي كُتُب النَّحْو، وإنَّما وصفت الأيّام بـ"أُخَرَ"مِنْ حيثُ إنَّها جمعٌ ما لا يعقلُ، وجَمْعُ ما لا يعقلُ يجوز أنْ يُعَامَلُ معاملةً الواحدة المؤنَّثة، ومعاملةَ جمع الإنَاثِ، فمن الأول {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 18] وفي الثاني هذه الآية اكريمة، ونظائرها، فإنما أوثر هنا معاملتُهُ معاملةَ الجمع؛ لأنه لو جيء به مُفْرَداً، فقيل: {عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامُ أُخْرَى} لأهم أنَّه وصف فيفوت المقصُود.