وقرئ"فَعِدَّةٌ"؛ نصباً محذوفاٍ، تقديره:"فَلْيَصُمْ عِدَّةً"، وكأنَّ أبا البقاء - رحمه الله - لم يَطَّلِعْ على هذه القراءةِ؛ فإنَّه قال: لو قرئ بالنَّصب، لكان مُسْتقيماً، ولا بُدَّ مِنْ حذف مضافٍ، تقديره:"فَصَوْمَ عِدَّة"وَمِنْ حذف جملة بعد الفعلية؛ ليصحَّ الكلامُ، تقديره:"فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةً"؛ ونظيرهُ {اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانفجرت} [البقرة: 60] وقوله {اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق} [الشعراء: 63] ، أي:"فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ".
و"عِدَّة""فِعْلَةٌ"من العدد، بمعنى: مَعْدُودَة، كالطِّحْنِ والذِّبْح، ومنه يقال للجماعة المعدودة مِنَ النَّاس عِدَّة، وعِدَّة المرأة مِنْ هذا، ونَكَّر"عِدَّة"، ولم يقل:"فعدّتها"؛ اتّكالاً على المعنى؛ فإنَّا بيَّنَّا أنَّ العدَّة بمعنى المعدُودة، فأمر بأن يصوم أيَّاماً معدودةً والظَّاهر: أنَّه لا يأتي إلاَّ بمثل ذلك العَدَ، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة.
و"مِنْ أَيَّام": فِي مَحلِّ رفع، أو نصبٍ على حَسَب القراءتين صفة لـ"عِدَّة".
قوله"أُخَر"صفةٌ لـ"أيَّام"؛ فيكون فِي محلِّ خفضٍ، و"أُخَرَ"على ضربَيْن.
أحدهما: جمع"أُخْرَى"تأنيث"أخَرَ"الَّذي هو أفعَلُ تَفضيل.
والثاني: جمع"أُخْرَى"بمعنى"آخِرَةِ"تأنيث"آخِرٍ"المقابل لأوَّل؛ ومنه قوله تبارك وتعالى: {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ} [الأعراف: 39] فالضربُ الأَوَّل لا ينصرفُ للوَصف والعَدْل، واختلفُوا فِي كيفيَّة العَدْل: فقال الجمهورُ: إنه عَدلٌ عن الألف واللاَّم؛ وذلك أنَّ"أُخَرَ"جمعُ"أُخْرَى"، و"أُخْرَى"تأنيث"آخَرَ"و"آخَرُ"أفعلُ تفضيلٍ لا يخْلُو عن أحدِ ثلاثةِ استعمالاتٍ.