وتارة يكون شاملا له صلى الله عليه وسلم ولأمته كما في هذه الآية التي معنا، وكما في قوله - تعالى -: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ.
وتارة يكون صلى الله عليه وسلم خارجا عنه كما في قوله - تعالى -: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، وَلا تَنْهَرْهُما، وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً.
فصيغة الخطاب هنا وإن كانت موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه ليس داخلا فيها، لأن والديه لم يكونا موجودين عند نزول هاتين الآيتين.
والمراد بقوله: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ أي: إذا أردتم تطليقهن، لأن طلاق المطلقة من باب تحصيل الحاصل.
وهذا الأسلوب يرد كثيرا في القرآن الكريم، ومنه قوله - تعالى -: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. أي: إذا أردتم القيام للصلاة فاغسلوا.
والمراد بالنساء هنا: الزوجات المدخول بهن، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله - تعالى -: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها.
واللام في قوله - سبحانه -: فطلقوهن لعدتهن، هي التي تسمى بلام التوقيت، وهي بمعنى عند، أو بمعنى في، كما يقول القائل: كتبت هذا الكتاب لعشر مضين من شهر كذا.
ومنه قوله - تعالى -: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ..: أي عند أو في وقت دلوكها.
وقوله: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ من الإحصاء بمعنى العد والضبط، وهو مشتق من الحصى، وهي من صغار الحجارة، لأن العرب كانوا إذا كثر عدد الشيء، جعلوا لكل واحد من المعدود حصاة، ثم عدوا مجموع ذلك الحصى.
والمراد به هنا: شدة الضبط، والعناية بشأن العد، حتى لا يحصل خطأ في وقت العدة.