ثُمَّ ضَرَبَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا بِصَخْرَةٍ وَقَالَ: مَنْ سَقَطَ عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ يَنْكَسِرُ، وَمَنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ يَتَهَشَّمُ. وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ نَاوَأَهُ وَحَارَبَهُ مِنَ النَّاسِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ سِوَاهُ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي صِفَتِهِ: لِتَفْرَحْ أَرْضُ الْبَادِيَةِ الْعَطْشَى، وَلْتَبْتَهِجِ الرَّوَابِي
وَالْفَلَوَاتُ، لِأَنَّهَا سَتُعْطَى بِأَحْمَدَ مَحَاسِنُ لُبْنَانَ وَمِثْلُ حُسْنِ الدَّسَاكِيرِ. وَبِاللَّهِ مَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا الْمُكَابَرَةُ وَجَحْدُ الْحَقَّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ.
قَوْلُ حِزْقِيلَ فِي صُحُفِهِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - بَعْدَ مَا ذَكَرَ مَعَاصِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَشَبَّهَهُمْ بِكَرْمَةٍ غَذَّاهَا وَقَالَ: لَمْ تَلْبَثِ الْكَرْمَةُ أَنْ قُلِعَتْ بِالسَّخْطَةِ وَرُمِيَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَأَحْرَقَتِ السَّمَائِمُ ثِمَارَهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ غُرِسَ فِي الْبَدْوِ وَفِي الْأَرْضِ الْمُهْمَلَةِ الْعَطْشَى، وَخَرَجَتْ مِنْ أَغْصَانِهَا الْفَاضِلَةِ نَارٌ أَكَلَتْ تِلْكَ الْكَرْمَةَ، حَتَّى لَمْ يُوجَدُ فِيهَا غُصْنٌ قَوِيٌّ وَلَا قَضِيبٌ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ لَا تَلْوِيحَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِبَلَدِهِ وَهِيَ مَكَّةُ الْعَطْشَى الْمُهْمَلَةُ مِنَ النُّبُوَّةِ قَبْلَهُ مِنْ عَهْدِ إِسْمَاعِيلَ.
مَا فِي صُحُفٍ دَانْيَالَ وَقَدْ نَعَتَ (الْكِشْدَانِيِّينَ) الْكِلْدَانِيِّينَ، فَقَالَ: لَا تَمِيدُ دَعْوَتُهُمْ، وَأَقْسَمَ الرَّبُّ بِسَاعِدِهِ أَنْ لَا يَظْهَرَ الْبَاطِلُ وَلَا يَقُومَ لِمُدَّعٍ كَاذِبٍ دَعْوَةٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَفِي التَّوْرَاةِ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَضْعَافُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهَذِهِ دَعْوَتُهُ قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهَا الْقُرُونُ مِنَ السِّنِينَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَكَذَلِكَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا لِمَلِكٍ قَطُّ، فَضْلًا عَنْ كَذَّابٍ مُفْتَرٍ
عَلَى اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ مُفْسِدٍ لِلْعَالَمِ مُغَيِّرٍ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَمَنْ ظَنَّ هَذَا بِاللَّهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أَسْوَأَ الظَّنِّ، وَقَدَحَ فِي عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.