وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعِ الْمَسِيحُ أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى سَائِرِ الْأَجْنَاسِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ عَهِدَ مُوسَى إِلَى الْمَسِيحِ إِنَّمَا كَانُوا يُبْعَثُونَ إِلَى قَوْمِهِمْ، بَلْ عِنْدَهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: لَا تَسْلُكُوا إِلَى سَبِيلِ الْأَجْنَاسِ، وَلَكِنِ اخْتَصِرُوا عَلَى الْغَنَمِ الرَّابِضَةِ مَنْ نَسْلِ إِسْرَائِيلَ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى سَائِرِ أَجْنَاسٍ الْأَرْضِ وَطَوَائِفِ بَنِي آدَمَ.
وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} .
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ.
وَقَوْلِهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً.
وَقَدِ اعْتَرَفَتِ النَّصَارَى بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوهَا، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ زُعَمَائِهِمْ إِنَّهَا بِشَارَةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِلْيَاسَ، وَالْيَسَعَ، وَأَنَّهُمْ سَيَأْتُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي مَنْ قَدْ مَاتَ إِلَى يَوْمِ الْمِيقَاتِ الْمَعْلُومِ.
قَوْلُ الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَقَدْ ضَرَبَ مَثْلَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: كَمِثْلِ رَجُلٍ اغْتَرَسَ كَرْمًا وَيُسَيِّجُ حَوْلَهُ، وَجَعَلَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَشَيَّدَ فِيهِ قَصْرًا، وَوَكَّلَ بِهِ أَعْوَانًا، وَتَقَرَّبَ عِنَبَهُ، فَلَمَّا دَنَا أَوَانُ الْقِطَافِ، بَعَثَ عَبْدًا إِلَى أَعْوَانِهِ الْمُتَوَكِّلِينَ بِالْكَرْمِ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِنَفْسِهِ، ثُمَّ لِلنَّبِيِّ الْمُوَكِّلِ آخَرَ بِالْكَرْمِ، إِلَى أَنْ أَفْصَحَ عَنْ أُمِّتِهِ، فَقَالَ: وَأَقُولُ لَكُمْ: سَيُزَاحُ عَنْكُمْ مُلْكُ اللَّهِ، وَتُعْطَاهُ الْأُمَّةُ الْمُطِيعَةُ الْعَامِلَةُ.