وَالَّذِي أَثْبَتَهُ النَّصَارَى مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي عَقْلٍ وَلَا فِطْرَةٍ. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْوُجُودِ أَعْظَمَ اسْتِحَالَةٍ، وَلَوْ أَمْكَنَ وَجُودَهُ لَبَطَلَتْ أَدِلَّةُ الْعُقُولِ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ ثِقَةٌ بِمَعْقُولٍ أَصْلًا، فَإِنَّ اسْتِحَالَةَ وَجُودِهِ فَوْقَ اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ الْمُحَالَاتِ، وَلَوْ صَحَّ مَا يَقُولُونَ لَبَطَلَ الْعَالَمُ وَاضْمَحَلَّتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَعَدِمَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وَلَا نُشُورٌ وَلَا جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ.
وَلَا يُسْتَعْجَبُ مِنْ إِطْبَاقِ أُمَّةِ الضَّلَالِ، الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُمْ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ عَلَى ذَلِكَ، فَكُلُّ بَاطِلٍ فِي الْوُجُودِ يُنْسَبُ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ فَإِنَّهَا مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ إِطْبَاقِ الْأُمَمِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، فَلِعِبَادِ الصَّلِيبِ أُسْوَةٌ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ.
(فَصْلٌ: من بِشَارَاتُ التَّوْرَاةِ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -)
فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ إِنِّي جَاعِلٌ ابْنَكَ إِسْمَاعِيلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ إِذْ هُوَ مِنْ زَرْعِكَ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِمَنْ جُعِلَ مِنْ وَلَدِهِ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَيْسَ هُوَ سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.