فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الطَّاهِرَةِ الصِّدِّيقَةِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي زَمَانِهَا، وَقَرَّرَ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ وَآيَاتِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى بِتَخْلِيدِ مَنْ كَفَرَ بِالْمَسِيحِ فِي النَّارِ، وَأَنَّ رَبَّهُ تَعَالَى أَكْرَمَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَنَزَّهَهُ وَصَانَهُ أَنْ يَنَالَ إِخْوَانُ الْقِرَدَةِ أُمَّةُ الْغَضَبِ مِنْهُ مَا زَعَمَتْهُ النَّصَارَى أَنَّهُمْ نَالُوهُ مِنْهُ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا لَمْ يَشُكْهُ أَعْدَاؤُهُ بِشَوْكَةٍ، وَلَا نَالَتْهُ أَيْدِيهِمْ بِأَذًى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَسْكَنَهُ سَمَاءَهُ وَسَيُعِيدُهُ إِلَى الْأَرْضِ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْ مَسِيحِ الضَّلَالِ وَأَتْبَاعِهِ، ثُمَّ يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ بِهِ الْخِنْزِيرَ، وَيُعْلِي بِهِ الْإِسْلَامَ، وَيَنْصُرُ بِهِ مِلَّةَ أَخِيهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِذَا وُضِعَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَسِيحِ فِي كِفَّةٍ، وَقَوْلُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الْمُثَلِّثَةِ فِي كِفَّةٍ، تَبَيَّنَ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ، مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ، وَأَنَّ تَفَاوُتَهُمَا كَتَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَلَوْلَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَا عَرَفْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِي هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ مَوْجُودٌ أَصْلًا، فَإِنَّ هَذَا الْمَسِيحَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْيَهُودُ مِنْ شَرَارِ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَسِيحِ الْهُدَى.