وَلَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ كِتَابِ مُوسَى، ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِأَنَّهُمْ خَانُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَخْفَوْا بَعْضَهُ وَأَظْهَرُوا بَعْضَهُ.
وَهَذَا اسْتِطْرَادٌ مِنْ ذِكْرِ جَحْدِهِمُ النُّبُوَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ إِخْفَاءٌ لَهَا وَكِتْمَانٌ إِلَى جَحْدِ مَا أَقَرُّوا بِهِ كِتَابَهُمْ بِإِخْفَائِهِ وَكِتْمَانِهِ، فَتِلْكَ سَجِيَّةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ لَا تُنْكَرُ، إِذْ مَنْ أَخْفَى بَعْضَ كِتَابِهِ الَّذِي يُقِرُّ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَيْفَ لَا يَجْحَدُ أَصْلَ النُّبُوَّةِ؟ ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِالْوَحْيِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ هُمْ وَلَا آبَاؤُهُمْ، وَلَوْلَا الْوَحْيُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى
فَقَالَ: قُلِ اللَّهُ أَيِ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ، أَيْ إِنْ كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوهُ فَصَدِّقْ بِهِ أَنْتَ وَأَقِرَّ بِهِ وَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وَجَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يُقِرُّ بِهِ الْكِتَابِيُّونَ وَهُمْ أُولُو الْعِلْمِ دُونَ الْأُمَمِ الَّتِي لَا كِتَابَ لَهَا، أَيْ إِنْ جَحَدْتُمْ أَصْلَ النُّبُوَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا، فَهَذَا كِتَابُ مُوسَى يُقِرُّ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ فَاسْأَلُوهُمْ عَنْهُ.
وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ، لِيَسْتَشْهِدَ سُبْحَانَهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ إِنْ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا فَمَنْ أَنْزَلَ كِتَابَ مُوسَى؟ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا ذَلِكَ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ.