وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَهُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا أَصْلَ الرِّسَالَةِ وَكَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمْ يَجْحَدُوا نُبُوَّةَ مُوسَى وَعِيسَى، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ، فَهُوَ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ، وَلَمْ يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ يَكُونُ هَذَا بِهِ مُتَّصِلًا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ إِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَا يَدِينُ بِهِ الْيَهُودُ، بَلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ الْإِقْرَارُ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَزَبُورِ دَاوُدَ، وَالْخَبَرُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ خَبَرٌ عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} مَوْصُولٌ بِهِ غَيْرُ مَفْصُولٍ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَيُقَوِّي قَوْلَهُ إِنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَهِيَ خَبَرٌ عَنْ زَنَادِقَةِ الْعَرَبِ الْمُنْكِرِينَ لِأَصْلِ النُّبُوَّةِ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَكَيْفَ يَحْسُنُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ إِنْزَالِ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى؟ وَكَيْفَ يُقَالُ لَهُمْ (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) وَلَا سِيَّمَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِتَاءِ الْخِطَابَ؟
وَهَلْ ذَلِكَ صَالِحٌ لِغَيْرِ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ مَا لَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ وَأَغْرَاضَهُمْ، وَيُبْدُونَ مِنْهُ مَا سِوَاهُ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ صُورِيَا عِنْدَ إِحْضَارِ التَّوْرَاةِ فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاسْتِشْهَادِ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ فِي حُكْمِ الرَّجْمِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، وَإِظْهَارِ ابْنِ سَلَامٍ زَيْفَهُ.