ويدل على ما ذكرنا من أنه الأصل ، أن الكفار لو آمنوا بالله وانتفت عداوتهم لله لأصحبوا إخواناً للمؤمنين والتفت العداوة بينهما ، وكذا كونه مغياً بغاية في قوله تعالى: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله} [النساء: 89] .
ومثله قوله تعالى في قوم إبراهيم: {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء أَبَداً حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] فإذا هاجر المشركون وآمن الكافرون ، انتفت العداوة وجاءت الموالاة.
ومما قدمنا من أن سبب النهي عن مولاة الأعداء ، هو الكفر يعلم أنه إذا وجدت عداوة لا لسبب الكفر فلا ينهى عن تلك الموالاة لتخلف العلة الأساسية ، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم} [التغابن: 14] ، ثم قال تعالى: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التغابن: 14] .
فلما تخلف السبب الأساسي في النهي عن مولاة العدو الذي هو الكفر ، جاء الحث على العفو والصفح والغفران ، لأن هذه العداوة لسبب آخر هو ما بينه قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] . فكان مقتضاها فقط الحذر من أن يفتنوه ، وكان مقتضى الزوجية حسن العشرة ، كما هو معلوم. وسيأتي زيادة إيضاح لهذه المسألة عند هذه الآية ، إن شاء الله تعالى.
وقد نص صراحة على عدم النهي المذكور في خصوص من لم يعادوهم في الدين في قوله تعالى:
{لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتقسطوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8] الآية.
وللموالاة أحكام عامة وخاصة ، وقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى عليه في عدة مواضع من الأضواء.