(حكاية)
سواء كان المقصود عليا أم أبا بكر الصديق، فروح كل منهما غارقة في بحر التحقيق، فعندما توجه المصطفى صوب الغار، نام المرتضى تلك الليلة على فراشه، وهكذا أراد الحيدر أن يقدم روحه نثارا، ليحفظ روح الرسول الأكبر، كما خاطر الصديق رفيق الغار بروحه، فكلاهما قدما الروح نثارا في طريقه، وكلاهما نثرا الروح حفاظا عليه، فتعصب في الرأي على أنهما بمنطق الرجال قدما الروح نثارا في سبيل الحبيب، فإن كنت رجلا كهذا أو ذاك، فهل لك أن تتحمل آلام هذا أو ذاك؟ فلتكن مثلهما، ولتسلك طريق بذل الروح، وإلا فالزم الصمت وتخل عن هذا الهزل
لعلك أيها الغلام تعرف عليا وأبا بكر، ولكنك تجهل حقيقة الله والعقل والروح، فطهر الرأس بحق هذه الواقعة، وكن رجل حق آناء الليل وأطراف النهار كرابعة (1) ، فما كانت امرأة واحدة، بل إنها بمثابة مائة رجل، فكم تحملت الآلام من الرأس إلى القدم، وكانت على الدوام غارقة في نور الحق، متطهرة من الفضول، وفي الله مستغرقة (2) .
سألها سائل قائلا: يا صاحبة القبول، ماذا تقولين في صحابة الرسول؟ قالت: إن كنت لا أعرف عن خالق البشر أي سر فكيف أستطيع الإدلاء عن الصحابة بأي خبر؟ وإن لم أفن الروح والقلب في الحق، فلن أكون لحظة مهتمة بالخلق، وكم أصابت أشواك الطريق عيني، فسالت منها الدماء وأنا في غفلة، ومن أصابته مثل هذه الآلام، كيف يجول بقلبه اهتمام بأي رجل أو امرأة؟ وإن كنت لا أعرف من أنا، فكيف أعرف الآخرين بالقياس؟
أنت في هذا الطريق لست إلها ولا رسولا، فاغلل يدك عن هذا الرد والقبول، وتطهر من التبرأ والتولي (3) ، وكن عبدا مطيعا في هذا الطريق، وما دمت حفنة من تراب، فتحدث عن التراب، واعتبر الجميع أطهارا، ولتطهر قولك
(1) رابعة العدوية: توفيت عام 135 هـ، وكانت أول من تغنى بنغمة الحب الإلهي، وقد تحدثت عن نوعي الحب، حب الهوى، وحب الإيثار المنزه عن الأغراض انظر التصوف: الثورة الروحية: للدكتور أبي العلا عفيفي، ص: 209 وما بعدها، ونفحات الأنس لجامي س 615، 616، تذكرة الأولياء للعطار ج 1 ص 6453.
(2) تنهي نسخة باريس الحكاية عند هذا الحد، وتضع عنوانا جديدا للأبيات التالية، ولكنني فضلت وصلها كما جاءت في نسخة إصفحان 1334 ش.
(3) المقصود من التبرأ والتولي: تبرأ المتعصبين من الخلفاء الثلاثة الأول، وتوليهم بعيدا عنهم.