ثم ذكر أن تفرقهم في الدين باق في أعقابم، مضافًا إليه الشك في كتابهم، مع انتسابهم إليه فقال: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا} وأعطوا {الْكِتَابَ} ؛ أي: التوراة والإنجيل، من اليهود والنصارى المعاصرين لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {مِنْ بَعْدِهِمْ} ؛ أي: من بعد من قبلهم: من سلف اليهود والنصارى {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} ؛ أي: من القرآن، أو من محمد - صلى الله عليه وسلم - {مُرِيبٍ} ؛ أي: مقلق مدخل في الريبة؛ أي: موقع في الريب، ولذلك لم يؤمنوا. وقال مجاهد: معنى من بعدهم: من قبلهم، يعني: من قبل مشركي مكة، وهم اليهود والنصارى، والمعنى عليه؛ أي: وإن المشركين الذين أورثوا الكتاب؛ أي: القرآن من بعدما أوتي أهل الكتاب كتابهم، لفي شك منه؛ أي: من القرآن، والإيراث في الأصل: تملك قهري، يثبت لقريب الميت بموته، والشك: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما {مُرِيبٍ} ؛ أي: موقع ذلك الشك في القلق، أي: الاضطراب، ولذلك لا يؤمنون لمحض البغي، والمكابرة، بعدما علموا بحقيته، كدأب أهل الكتابين. والريب: قلق النفس واضطرابها، ويسمى الشك بالريب؛ لأنه يقلق النفس، ويزيل طمأنينتها، كما سيأتي في مبحث اللغة، قرأ الجمهور: {أُورِثُوا} ، وقرأ زيد بن علي: {ورّثوا} مشدد الراء، مبنيًا للمفعول، وقرئ {ورثوا} بتخفيف الراء، مبنيًا للفاعل.
والمعنى: أي وإن أهل الكتاب الذين كانوا في عهده - صلى الله عليه وسلم - وورثوا التوراة، والإنجيل عن السابقين لهم، لفي شك من كتابهم، إذ لم يؤمنوا به حق الإيمان، فهم مقلدون أسلافهم بلا حجة ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك أقض مضاجعهم، وأوقعهم في اضطراب وقلق.
وقصارى ذلك: أنهم تفرقوا بعد العلم الذي حصل من النبي المبعوث إليهم المصدق لكتابهم؛ لأنهم شكوا في كتابهم فلم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه من أمر ونهي.