فلما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم عرفة كما روى الطبراني بسند صحيح، عن المِسْور بن مَخْرمة رضي الله تعالى عنهما قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"أَمَّا بَعْدُ! فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالأَوْثانِ كانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ هَذا الْمَوْقف إِذا كانَتِ الشَّمْسُ عَلى رُؤُوسِ الْجِبالِ كَأَنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَإِنَّا لا نَدْفَعُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَغِيْبَ الشَّمْسُ، وَكانُوا يَدْفَعُونَ مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ إِذا كانَتِ الشَّمْسُ مُنْبَسِطَةً".
وفي رواية غيره:"وإِنَّاَ لا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيَحِلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، وَنَدْفَعُ مِنْ مُزْدلِفَةَ غَداً إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْيِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالأَوْثانِ".
وروى الأئمة الستة رحمهم الله تعالى عن عمرو بن ميمون قال:
سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بجَمْع بعد ما صلى الصبح وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالفهم، فأفاض قبل طلوع الشمس.
47 -وكان من عادة الجاهلية: ما يتفق الآن من جهلة الناس وعامتهم من سرعة السير، والإيضاع، والازدحام عند الدفع من عرفات، والشريعة جاءت بالسكينة في السير.
وصحح الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنما بدء الإيضاع من أهل البادية؛ كانوا يقفون حافتي الناس قد علقوا القباب والعصي، فإذا أفاضوا تقعقعوا، فأنفرت الناس، فلقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن ظفري ناقته لا يمس الأرض، وهو يقول:"يا أيُّها النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ".
وفي"صحيح البخاري"عنه: أنه دفع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وراءه زجراً شديداً، وضرباً للإبل، فأشار بسوط إليهم، وقال:"يا أيُّها النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضاعِ".