وإنما الصمت المأخوذ به في الشريعة عن الهُجر، والغيبة، والنميمة، والكذب، وما لا يعني، ونحوها، وأما التعبد بنفس السكوت فليس من هذه الشريعة.
روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه على امرأة من أحمس يقال لها: زينب، فرآها
لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟
فقالوا: حجت مصمتة.
فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت.
وروى ابن سعد في"طبقاته"عن زينب بنت المهاجر الأحمسية قالت: خرجت حاجة ومعي امرأة، فضربت علي فسطاطاً، ونذرت أن لا أتكلم، فجاء رجل فوقف على باب الخيمة، فقال: السلام عليكم، فردت عليه صاحبتي، فقال: ما شأن صاحبتك لم ترد علي؟
قالت: إنها مصمت، إنها نذرت أن لا تتكلم.
قال: تكلمي؛ فإنما هذا من فعل الجاهلية.
قالت: فقلت: من أنت يرحمك الله؟
قال: امرؤ من المهاجرين.
قلت: من أي المهاجرين؟
قال: من قريش.
قلت: من أي قريش؟
قال: إنكِ السؤول، أنا أبو بكر.
قلت: يا خليفة رسول الله! إنا كنا حديثي عهد بجاهلية، لا نأمن
بعضنا بعضنا، وقد جاء الله من الأمن مما ترى، فحتى متى يدوم لنا؟
قال: ما صلحت أئمتكم.
قلت: من الأئمة؟
قال: أليس في قومك أشراف يطاعون؟
قلت: بلى.
قال: أولئك الأئمة.
وروى أبو داود بإسناد حسن، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يُتْمَّ بعْدَ احْتِلامٍ، وَلا صماتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ".
قال الخطابي في هذا الحديث: كان أهل الجاهلية من نسكهم الصمات، وكان أحدهم يعتكف اليوم والليلة، فيصمت ولا ينطق، فنُهوا - يعني: في الإسلام - عن ذلك، وأمروا بالذكر والحديث في الخير، انتهى.
وأما قوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [سورة مريم: 26] ؛ أي: صمتاً، فإنه شرع من قبلنا، ولا يلزمنا الأخذ
به على الأصح.
وإن قلنا بالثاني فيلزمنا الأخذ بشرع من قبلنا إلا إذا لم ينهَ] عنه في شرعنا، وقد نهينا عن صمت يوم إلى الليل كما علمت؛ نبه عليه النووي في"شرح المهمات".