وقال ابن القيم في أواخر كتابه (الجواب الكافي) في مباحث العشق: وقد أرشد - صلى الله عليه وسلم - المتحابين إلى النكاح. كما في سنن ابن ماجه مرفوعًا: لم ير للمتحابَّين مثل النكاح. ونكاحه لمعشوقه هو دواء العشق الذي جعله الله دواءه شرعا وقدرا. وبه تواوى نبي الله داود عليه السلام ولم يرتكب نبي الله محرما. وإنما تزوج المرأة وضمها إلى نسائه لمحبته لها. وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته. ولا يليق بنا المزيد على هذا. انتهى.
وهذا منه تسليم ببعض القصة لا تمامها . وهو من الأوال فيها.
وأما دعوى بعضهم أن التوراة تعد داود ملكا حكيما ، لا نبيا ، بدليل ذكره في أسفار الملوك منها ، وما فيها من أنه بعث إليه نبي يقال له قاشان ، ضرب له المثل المذكور فدعوى مردودة من وجوه:
منها أن الاستدلال بالتوراة التي بين أيديهم في إهباتٍ أو نفي لا يعول عليه. كيف لا؟ وقد أوتينا بيضاء نقية محفوظة من التغيير والتبديل بحمده تعالى. ومنها أن نبوة داود عليه السلام لا خلاف فيها عند المسلمين ، فلا عبرة بخلاف غيرهم.
ومنها أنه لا مانع أن تجتمع النبوة والملك لمن أراده الله واصطفاه. وقد فعل ذلك بداود وسليمان عليهما السلام.
ومنها أنه لا حاجة في كتابنا الكريم أن يتمم بما جاء في غيره ، أو يحاول رده إلى سواه من الكتب ، أو هي إليه ، لاستغنائه بنفسه. بل وكونه مهيمنا على سائر الكتب ، كما أخبر الله تعالى عنه. فليتأمل ذلك. والله أعلم.
وقد روي أن عمر بن عبد العزيز حدًّث بنبأ داود على ما يرويه القصاص ، وعنده رجل من أهل الحق. فكذب المحدث به ، وقال: إن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه ، فما ينبغي إظهارها عليه. فقال عمر: لسماعي هذا الكلام ، أحب إلى مما طلعت عليه الشمس . نقله الزمخشري.