{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} أي: تبعاً لتسبيحه: {بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} أي: مجموعة عنده يسبحن معه: {كُلٌّ لَّهُ} أي: لله تعالى: {أَوَّابٌ} أي: مطيع منقاد ، يرجع بتسبيحه وتقديسه إليه .
قال ابن كثير: أي: أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار . كما قال عز وجل: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] ، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه ، إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء ، فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب . بل يقف في الهواء ويسبح معه ، وتجيبه الجبال الشامخات ترجّع معه ، وتسبح تبعاً له . انتهى . أي: بأن خلق فيها حياةً ونطقاً ، أو كان له عليه السلام من شدة صوته الحسن دوي في الجبال ، وحنين من الطيور إليه ، وترجيع ، وقد عهد من الطير القمري أنه ينتظر سكتة المصوّت ، والقارئ بصوت حسن ، أو المنشد ، فيجيبه ، والله أعلم .
{وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي: قويناه بوفرة العَدد والعُدد ، ونفوذ السلطة ، وإمداده بالتأييد والنصر: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} أي: النبوة ، أو الكلام المحكم المتضمن للمواعظ والأمثال ، والحض على الأداب ، ومكارم الأخلاق ، وكان زبوره عليه السلام ، كله حكماً غرراً: {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} أي: فصل الخصام بتمييز الحق من الباطل ، ورفع الشبه ، وإقامة الدلائل ، وكان يقيم بذلك العدل الجالب محبة الخلائق ، ولا يخالفه أحد من أقاربه ، ولا من الأجانب .
ثم ذكر تعالى من حكمته عليه السلام وقضائه الفصل ، وشدة خوفه وخشيته مع ذلك ، ما قصه بقوله سبحانه: