فشبه كفهم عن ذلك بالتقرين في الأصفاد ، فأطلق على الكف المذكور لفظ التقريب استعارة أصلية ، ثم اشتق من التقرين ؛ يعني بمعنى المجازي لفظ مقرنين ، فهو استعارة تبعية بمعنى ممنوعين عن الشرور.
"وفي الأسئلة المقحمة": الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة ولا دليل يقضي ؛ بأن تلك الأجسام لطيفة أو كثيفة ، بل يجوز أن تكون لطيفة ، وإن تكون كثيفة ، وإنما لا نراهم لا للطافتهم كما يزعمه المعتزلة.
ولكن لأن الله تعالى لا يخلق فينا إدراكاً لهم.
انتهى.
قال القاضي أبو بكر: الأصل الذي خلقوا منه هي النار ، ولسنا ننكر مع ذلك أن يكثفهم الله تعالى ويغلظ أجسامهم ويخلق لهم أعراضاً زائدة على ما في النار ، فيخرجون عن كونهم ناراً ويخلق لهم صوراً وأشكالاً مختلفة ، فيجوز أن نراهم إذا قوى الله أبصارنا كما يجوز أن نراهم لو كثف الله أجسامهم.
قال القاضي عبد الجبار: إن الله تعالى كثفهم لسليمان حتى كان الناس يرونهم وقواهم حتى كانوا يعملون له الأعمال الشاقة.
والمقرّن في الأصفاد لا يكون إلا جسماً كثيقاً.
وأما إقداره عليهم وتكثيفهم في غير أزمان الأنبياء فإنه غير جائز ؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون نقضاً للعادة ، كما في"آكام المرجان في أحكام الجان".
وقال بعضهم: إن الشياطين كانوا يشاهدون في زمن سليمان ، ثم إنه لما توفي أمات الله أولئك الشياطين وخلق نوعاً آخر في غاية الرقة واللطافة.
وفيه أن الشياطين منظرون ، فكيف يموتون إلا أن يختص الأنظار بإبليس أو إلا أن يحمل الشياطين على كفار الجن ، فإنهم ماردون أيضاً.