فيكون المعنى: ولقد ابتليناه بسبب ملكه وألقينا على كرسيه جسداً ، يعني: العفريت الذي أخذ خاتمه وجلس على كرسيه وهو صخر صاحب البحر على أشهر الأقاويل وسمي جسداً ؛ لأنه تمثل بصورة سليمان ، ولم يكن هو فكان جسداً محضاً وصورة بلا معنى ، ثم أناب ؛ أي: رجع إلى ملكه بعد أربعين يوماً.
يقول الفقير: أرشده الله القدير هذا وإن كان مشهوراً محرراً خصوصاً في نظم بعض العرب والعجم ، لكنه مما ينكر جداً ولا يكاد يصح قطعاً ، وذلك لوجوه:
أحدها: أنه ليس في جلوس الجن على الكرسي معنى الإلقاء إلا أن يتكلف.
والثاني: أن جميع الأنبياء معصومون من أن يظهر شيطان بصورهم في النوم واليقظة لئلا يشتبه الحق بالباطل ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام صور الاسم الهادي ومظاهر صفة الهداية والشيطان مظهر الاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان ، فلا يجتمعان ، ولا يظهر أحدهما بصورة الآخر.
وقس على الأنبياء أحوال الكمل من الأولياء ، فإنهم ورثتهم ومتحققون بمعارفهم وحقائقهم.
فإن قيل: عظمة الحق سبحانه أتم من عظمة كل عظيم ، فكيف امتنع على إبليس أن يظهر بصورة الأنبياء مع أن اللعين قد تراءى لكثيرين وخاطبهم بأنه الحق طلباً لإضلالهم.
وقد أضل جماعة بمثل هذا حتى ظنوا أنهم رأوا الحق وسمعوا خطابه.