ثم لما قدّم التوبة ، والاستغفار جعلها وسيلة إلى إجابة طلبته ، فقال: {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأحَدٍ مّن بَعْدِى} قال أبو عبيدة: معنى لا ينبغي لأحد من بعده: لا يكون لأحد من بعدي.
وقيل: المعنى: لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة ، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته ، وليس هذا من سؤال نبيّ الله سليمان عليه السلام للدنيا ، وملكها ، والشرف بين أهلها ، بل المراد بسؤاله الملك: أن يتمكن به من إنفاذ أحكام الله سبحانه ، والأخذ على يد المتمرّدين من عباده من الجنّ ، والإنس ، ولو لم يكن من المقتضيات لهذا السؤال منه إلا ما رآه عند قعود الشيطان على كرسيه من الأحكام الشيطانية الجارية في عباد الله ، وجملة: {إِنَّكَ أَنتَ الوهاب} تعليل لما قبلها مما طلبه من مغفرة الله له وهبة الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ، أي: فإنك كثير الهبات عظيم الموهوبات.
ثم ذكر سبحانه إجابته لدعوته ، وإعطاءه لمسألته ، فقال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح} أي: ذللناها له ، وجعلناها منقادة لأمره.
ثم بيّن كيفية التسخير لها بقوله: {تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء} أي: لينة الهبوب ليست بالعاصف ، مأخوذ من الرخاوة ، والمعنى: أنها ريح لينة لا تزعزع ، ولا تعصف مع قوة هبوبها ، وسرعة جريها ، ولا ينافي هذا قوله في آية أخرى {ولسليمان الريح عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ} [الأنبياء: 81] لأن المراد: أنها في قوة العاصفة ، ولا تعصف.
وقيل: إنها كانت تارة رخاء ، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان ، ويشتهيه ، وهذا أولى في الجمع بين الآيتين {حَيْثُ أَصَابَ} أي: حيث أراد.
قال الزجاج: إجماع أهل اللغة والمفسرين أن معنى {حيث أصاب} : حيث أراد ، وحقيقته حيث قعد.
وقال الأصمعي ، وابن الأعرابي: العرب تقول: أصاب الصواب ، وأخطأ الجواب.