ومن الاتفاقيات الغريبة أني اجتمعت يوم تفسيري لهذه الآية برجل موصلي يدعي ذلك وامتحنته بما يصدق دعواه في محفل عظيم ففعل وأتى بالعجب العجاب ، وكانت الأدلة على نفي احتمال الشعبذة ونحوها ظاهرة لذوي الألباب إلا أن لي إشكالاً في هذا المقام وهو أن الخادم الجني قد يحضر الشيء الكثيف من نحو صندوق مقفل بين جمع في حجرة أغلقت أبوابها وسدت منافذها ولم يشعر به أحد ، ووجه الإشكال أن الجني لطيف فكيف ستر الكثيف فلم ير في الطريق وكيف أخرجه من الصندوق وأدخله الحجرة وقد سددت المنافذ ، وتلطف الكثيف ثم تكثفه بعد مما لا يقبله إلا كثيف أو سخيف ، ومثل ذلك كون الإحضار المذكور على نحو إحضار عرش بلقيس بالإعدام والإيجاد كما يقوله الشيخ الأكبر أو بوجه آخر كما يقول غيره ، ولعل الشرع أيضاً يأبى هذا ، وسرعة المرور إن نفعت ففي عدم الرؤية في الطريق ، وقصارى ما يقال لعل للجني سحراً أو نحوه سلب به الإحساس فتصرف بالصندوق ومنافذ الحجرة حسبما أراد وأتى بالكثيف يحمله ولم يشعر به أحد من الناس فإن تم هذا فبها وإلا فالأمر مشكل ، وظاهر جعل جملة {قَالَ رَبّ اغفر لِى} تفسيراً للإنابة يقتضي أن الاستغفار مقصود لذاته لا وسيلة للاستيهاب ، وفي كون الاستيهاب مقصوداً لذاته أيضاً احتمالان.
وتقديم الاستغفار على تقدير كونهما مقصودين بالذات لمزيد اهتمامه بأمر الدين وقد يجعل مع هذا وسيلة للاستيهاب المقصود أيضاً فإن افتتاح الدعاء بنحو ذلك أرجى للإجابة ، وجوز على بعد بعد التزام الاستئناف في الجملة كون الاستيهاب هو المقصود لذاته والاستغفار وسيلة له ، وسيجئ إن شاء الله تعالى ما قيل في الاستئناس له.