وهذه الرواية عليها مسحة اليهود النين دأبوا على النيل من الأنبياء والحط من شأْنهم فإن ما ينسب إلى نبي الله داود يقبح أن ينسب إلى بعض المعروفين بالصلاح من آحاد الناس وعامتهم، فكيف يسوغ أن ينسب إلى أحد الأَنبياء كداود - عليه السلام - فعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وكرم الله وجهه - قال:"من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة"وهو حد القذف في حق الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كما روى أنه حُدِّث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به وقال: إن كانت القصة
على ما في كتاب الله فالتماس خلافها كذب واختلاق، فقال عمر - رضي الله عنه: لَسَمَاعى هذا الكلام أحبُّ إلي مما طلعت عليه الشمس.
وقيل: أن نبي الله داود خطب على خِطْبة أخيه فآثره أولياءُ المرأة على الآخر، وكان ذلك جائزا في شرعه، وهذا أيضًا غير لانق بإنسان صاحب مروءَة فما بالك بالأنبياء صلى الله عليهم وسلم -؟.
وقيل: إن داود - عليه السلام - احتجب عن رعيته متبتلا منقطعا لعبادة ربه فعوتب في ذلك لأنه ترك أمر رعيته دون القيام على شأْنهم.
قال الإِمام ابن عباس - رضي الله عنهما: إن داود - عليه السلام - جزأ زمانه أربعة أجزاء: يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء، ويومًا للاشتغال بخواص أموره، ويومًا يجمع فيه بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم، ففاجئوه في غير يوم القضاء ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق، وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه.
وقيل: إن داود - عليه السلام - تعجل ورمى بالظلم ذلك الذي سأل نعجة أخيه إلى نعاجه دون تثبت أو شهادة شهود، ودون أن يسمع قول المدعى عليه.
ولعل هذا القائل يؤكد رأيه في الآية بقوله - تعالى - عقبها وصية لداود - عليه السلام: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} .
ونحن نرى صحة هذا الرأى. والله أعلم.