فما إن دخلوا عليه حتى خاف وفزع منهم، إذ لم يأتوا البيت من بابه، ولم يمنعهم حراسه وخدمه من الدخول عليه، فظن - عليه السلام - أنهم يريدون به شرا، ويقصدونه بسوءٍ، ولكنهم بادروه وقالوا له: لا تخف منا فما أردنا لك كيدا، ولا أضمرنا لك شرا فشأننا وأمرنا أن أحدنا قد بغى وظلم صاجه، فجئناك ابتغاء أن تحكم بيننا بالحق والعدل، ولا تتجاوز الحد فتحيد في حكمك وتجور في قضائك، ونطلب أن ترشدنا وتدلنا على الصراط المستقيم في تلك القضية التي اختلفنا فيها.
ويبدو أن الذي كلم سيدنا داود وطلب منه الحكم بالعدل والبعد عن الجور والظلم هو ذلك الخصم الذي شعر بمرارة الظلم وفداحته، فأخرجه ذلك مَرْضيِّ القول وجميل النطق.
وكان نبي الله داود - عليه السلام - في احتمال خطأ الخصوم مثالا، وقدوة حسنة لكل من يحكم بين الناس عن حاكم أو محكم، فلم يبدر منه - عليه السلام - ما يدل على غضبه من القائل أو استهجانه لما يقول.
{إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}
المفردات
(نعجة) : هي أنثى الضأن، وتطلق على المرأة مجازا، لما هي عليه من السكون، والضعف.
(أكفِلْنيِهَا) : أي: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، والمراد ملكنيها، أو اجعلها كِفلى، أي: نصيبى.
(وعَزَّنِي) : غلبنى.
(فيِ الخْطَابِ) : في المجادلة والمحاجة.
(الْخُلَطَآءٍ) : الشركاء.
(فَتَنَّاه) : امنحناه وابتليناه.
(فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) : سأَله المغفرة، وهي الصفح.
{وَخَرَّ رَاكِعًا} سقط وهوى ساجدا.
{وَأَنَابَ} ورجع إلى الله - تعالى - بالتوبة.
{لَزُلْفَى} لَقُربةً ومَكَانَةً.
{مَآبٍ} مرجع في الآخرة.
التفسير