وَأما قَوْله {لَا تخف خصمان} وَلم يَكُونَا خصمين على الْحَقِيقَة وَلَا بغى بَعضهم على بعض وَلَا أتفق لَهما مِمَّا ذكرَاهُ شَيْء فَفِيهِ دَلِيل على أَن الْكَذِب أَنما يقبح شرعا فَمن أمره الله تَعَالَى أَن يخبر بِمَا وَقع وَبِمَا لم يَقع فَأخْبر بِهِ فَهُوَ مُطِيع ممتثل فَاعل الْحسن وَلذَلِك جَازَ لَهُم أَن يَقُولُوا للمعصوم {فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ وَلَا تشطط} والشطط الْجور مَعَ علمهمْ بِأَن الْمَعْصُوم يحكم بِالْحَقِّ وَلَا يجور فِي الحكم فَتخرج لَهُم هَذِه الْأَقْوَال إِذْ هم مَلَائِكَة وسفرة معصومون مخرج أَقْوَال يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام إِذْ أَمر مناديه فَنَادَى {أيتها العير إِنَّكُم لسارقون} وَمَا كَانُوا بسارقين وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام لإخوته {أَنْتُم شَرّ مَكَانا} وَلم يَكُونُوا كَذَلِك وَأخذ أَخَاهُم على حكمهم لَا على حكم الْملك وَمَا كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذهُ فِي دين الْملك فَإِن الْملك كَانَ يقتل السَّارِق وَلَا فِي دين إخْوَته فِي شريعتهم فَإِنَّهُم كَانُوا يستعبدون السَّارِق وَأَخُوهُ لم يكن سَارِقا
وَجَاء فِي الْأَخْبَار أَنه كَانَ ينقر فِي الصواع وَيَقُول إِن صواعي هَذَا يُخْبِرنِي بِكَذَا وَكَذَا والصواع لَا يخبر حَتَّى قَالَ لَهُ بنيامين أَخُوهُ أَيهَا الْملك سل صواعك يُخْبِرك أَحَي أخي يُوسُف أم ميت
فَنقرَ فِي الصواع فَقَالَ هُوَ حَيّ وَإنَّك لتراه وتلقاه إِلَى غير ذَلِك فَأَقَامَ الله تَعَالَى عذره فِي كل مَا أخبر عَنهُ وَفعله بقوله(كَذَلِك كدنا
ليوسف)وَمَعْنَاهُ بذلك أمرناه وأردنا مِنْهُ
وارتفع الِاعْتِرَاض على أَنه مَا أخبر الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام لداوود عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا كَانَ على جِهَة التَّجَوُّز وَضرب الْمِثَال بأخوة الْإِيمَان إِذْ لَيْسَ فِي الْمَلَائِكَة ولادَة وَإِذا لم يكن ولادَة فَلَا أخوة نسب
وَتَسْمِيَة النِّسَاء نعاجا لتأنيثهن وضعفهن و {أكفلنيها} كِنَايَة عَن نِكَاحهَا {وعزني فِي الْخطاب} بِمَعْنى غلبني وَهَذَا آخر خطاب الْخصم فَقَالَ لَهُ دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَام {لقد ظلمك} ثمَّ قيد الظُّلم بسؤال النعجة إِذْ قَالَ لَهُم {إِن كثيرا من الخلطاء ليبغي بَعضهم على بعض إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَلِيل مَا هم} وَهَذَا آخر خطابه للخصم
(فصل)