كأن هذا القول منهم - واللَّه أعلم - خرج عن مخاصمة وقعت بينهم وبين المؤمنين في شأن القرآن أو في شأن مُحَمَّد؛ فتحاكموا إلى أهل الكتاب على اتفاق منهم على ما في كتبهم، فلما خرج ذلك على موافقة قول المؤمنين، ومخالفة قول أُولَئِكَ - قالوا عند ذلك: (لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) ، وإلا على الابتداء من غير تنازع وخصومة كان بينهم في ذلك غير مستقيم.
ويذكر بعض أهل التأويل - ابن عَبَّاسٍ وغيره -: أن رهطا بعثهم قريش إلى المدينة إلى رؤساء اليهود؛ يسألونهم عن مُحَمَّد وبعثه؛ فأخبروهم أنه كائن وأنه مبعوث، فلما رجعوا إليهم فأخبروهم أنهم قد عرفوه، وهو عندهم في التوراة والإنجيل - فعند ذلك قالوا ما قالوا ثم كأنه اشتد ذلك على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وثقل عليه؛ فقال له على التعزية والتصبير على
ذلك: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) .
أي: محبوسون عند ربهم، أي: على محاسبة ما كان منهم من العناد والمكابرة والتكذيب، أي: لو رأيتهم ما فيهم من الذل والهوان والخضوع لرحمتهم ولأخذتك الرأفة لهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) .
أي: يلوم بإضهم بعضا؛ فيقولون ما ذكر.
(يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) ، أي: السفلة والأتباع، (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) ، أي: القادة منهم والرؤساء، (لَوْلَا أَنْتُمْ) فيما صرفتمونا عن دين اللَّه وصددتمونا عنه، (لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) به تابعين له؛ لأنهم كانوا يصدرون لآرائهم ويقبلون قولهم؛ لما هم كانوا أهل شرف ومعرفة، والسفلة لا، فيقولون: لولا أنتم لكنا نتبع رأي أنفسنا، فنؤمن به، لكن قلتم لنا: إنه كذب، وإنه افتراء، وإنه سحر؛ فنحن صدقناكم في ذلك.