يجيب فهم مقرون به أي مصدقون بقلوبهم كما يدل عليه قَوْلُه تَعَالَى في سورة يونس:(قل
من يرزقكم)إلَى قَوْله: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) وإن لم يجيبوا
بل سكتوا مخافة الإلزام. فالْجَوَاب ذلك؛ إذ لا يقدرون عَلَى المكابرة في ذلك ولذا قال
الْمُصَنّف: إذ لا جواب سواه بالاتفاق.
قوله: (أي وإن أحد الفريقين من الموحدين المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية بالْعبَادَة)
من الموحدين المتوحد مَفْعُول الموحدين بالرزق الخ. متعلق بالموحدين لما ثبت أنه تَعَالَى
متفرد بإعطاء الرزق وصيغة التفعل لإفادة الْكَمَال؛ إذ ما يحصل بالتَّكَلُّف يكون عَلَى وجه
الْكَمَال فهو الْمُرَاد هنا وفي مثله قوله والقدرة الذاتية عطف العلة عَلَى المعلول وهذا
منفهم من الْكَلَام؛ إذ الرزق بمعنى إعطائه لا يكون إلا بالقدرة الكاملة أي الذاتية التي
هي مقتضى الذات. قوله بالْعبَادَة متعلق بالموحد والموحد بالْعبَادَة موحد بوجوب
الوجود وهو الْمُرَاد هنا.
قوله: (والْمُشْركينَ به الجماد النازل في أدنى المراتب الإمكانية) والْمُشْركينَ عطف عَلَى
الموحد وبه يتم بيان الفريقين. قوله الجماد النازل مَفْعُول الْمُشْركينَ النازل صفة الجماد وعلى
طريق الذم بأنه في المرتبة السافلة من درجات الممكنات فإن الْإنْسَان وسائر الحيوان أقوى مرتبة
في درجة الممكنات فالجماد أخس الممكنات ومع ذلك جعلوه شريكًا للقادر العزيز الحكيم.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
وَالْأَبْصَارَ) حتى قال: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) ثم قال(فَمَاذَا
بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة ومرة كانوا يتوقفون عنادًا
وضرارًا وحذرًا من إلزام الحجة ونحوه قوله عز وجل:(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ
اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا)وبعد الإلزام
والإلجام الذي إن لم يزد عَلَى إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه بقوله:(قل ادعوا الَّذينَ
زعمتم مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يملكون)إلَى هذه الآية. أمره بأن يقول لهم:(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ
لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)وهذا من الْكَلَام الذي يبادر كل سامع من مخالف
أو موافق أن يقول قد أنصفك خصمك وهذا أوصل إلَى الغرض وأقطع للشغب فلا ينكر عَلَى
الفقهاء قولهم في المجادلات أحد الأمرين لازم وقولهم فهو غير بعيد من هذا الوادي. قال
الطيبي: إنه تَعَالَى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه أولًا بأن يكافحهم ويجيبهم بقوله:(قل ادعوا
الَّذينَ زعمتم مِنْ دُونِ اللَّهِ)ثم يسألهم بقوله:(قل من يرزقكم منَ السَّمَاء
والْأَرْض)ويقول الإجابة والإقرار عنهم بنفسه في قوله: (قل الله) .
ليؤذن أن الذي تكن في صدورهم من العناد قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق أمرهم بأن
يرخي العنان معهم ويقول: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) .
ليناديهم عَلَى تماديهم في الضلال وأنهم مع علمهم بصحة ما جاء به وبعد إقرارهم به
منغمسون في ضلال ظَاهر مكشوف فالْكَلَام من أوله وارد عَلَى ترتيب أنيق ونظم [رصين] مشتمل
على فوائد وإشارات وهو من باب الترقي.