نعم، ينبغي في التشبيه أنْ تُشبِّه المجهول بالمعلوم، والخفي بالجلي، لكن هؤلاء يحاولون تصيُّد أخطاء أو مآخذ على كتاب الله، وهيهات لهم ذلك، وكل اعتراضاتهم على كلام الله تأتي من عدم فَهْم للآيات وعدم وجود المَلَكة العربية وعدم الإلمام بلغة القرآن وأساليب العرب، فهذا النهج في التشبيه نهجه العربي القديم حين قال
أَيَقْتُلْنّى وَالْمَشْرَفِى مَضَاجِعِى... وَمَسْنُونَة زُرْق كَأَنّيَاب أَغْوَالِ
هكذا رأى العربي القديم أن أسِنَّة الرماح كأنياب الأغوال، فهل رأى أحد الغول؟ إذن القرآن عربي، وخاطب العربَ بأساليبهم، فيكفي لتبشيع الصورة أن تحاول أنت أنْ تتخيل صورة الغول أو صورة الشيطان لتذهب نفسُك في بشاعتها مذاهب شتَّى مخيفة مُفْزعة، بدليل أننا إذا قلنا لرسامي الكاريكاتير في العالم كله ارسموا لنا صورة الشيطان، فسوف يرميها كل واحد منهم حَسْب رؤيته هو، وستأتي صورة مختلفة بعضها عن بعض لأن أحداً منهم لم يَرَ الشيطان، إنما تخيَّله. تُرَى، لو حدد القرآن شكل شجرة الزقوم وقال لك إنها مثل كذا وكذا، أيعطيك هذا التشبيه بشاعة أكثر مما أعطتْكَ رؤوس الشياطين؟ هكذا ربَّبَ الحق سبحانه هذا المعنى. ثم تستمر الآية في وصف موقف هؤلاء الظالمين بين يد الله تعالى، ويا ليتها تنتهي عند الذلة والانكسار، إنما {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} سبأ 31 يعني يتجادلون ويتناقشون، يرمي كل منهم باللائمة على الآخر، ومعنى يرجع من المراجعة، فواحد يقول، والآخر يردُّ كلامه ويُنكِره، وفي القرآن مواضع كثيرة تحكى هذه المراجعة بين الأتباع والمتبوعين، وهنا نموذج منها {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ} سبأ 31 يعني الضعفاء والمقلدين {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ} سبأ 31 وهم السادة الكبار المتبوعون {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} سبأ 31 فيكفي من عظمة القيامة أنْ يقف المستضعف أمام القوي ويراجعه ويواجهه - مع أن كلاهما خائب خاسر - ذلك لأن الضعف كان في الدنيا والاستكبار والتبعية، أما الآن وفي ساحة الحساب فقد تساوتْ الرؤوس، وها هم الضعفاء يقولون لأسيادهم {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} سبأ 31. وما دامت المسألة مراجعة، كُلٌّ يُرجِع إلى الآخر قوله، فلا بُدَّ أنْ يرد الذين استكبروا، وأنْ يراجعوا الذين استُضْعِفوا. ثم يقول الحق سبحانه {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ ...} .