وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار ، ويجوز: أن يجعل الليل ، والنهار ماكرين على الإسناد المجازي كما تقرّر في علم المعاني.
قال المبرّد كما تقول العرب: نهاره صائم ، وليله قائم ، وأنشد قول جرير:
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السرى... ونمت وما ليل المطيّ بنائم
وأنشد سيبويه:
قيام ليلي وتجلي همي... وقرأ قتادة ، ويحيى بن يعمر برفع: (مكر) منوّناً ، ونصب:"الليل والنهار"، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار.
وقرأ سعيد بن جبير ، وأبو رزين بفتح الكاف ، وتشديد الراء مضافاً بمعنى: الكرور ، من كرّ يكرّ إذا جاء ، وذهب ، وارتفاع {مكر} على هذه القراءات على أنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، أي: مكر الليل والنهار صدّنا ، أو على أنه فاعل لفعل محذوف ، أي: صدّنا مكر الليل والنهار ، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف كما تقدّم عن الأخفش.
وقرأ طلحة بن راشد كما قرأ سعيد بن جبير ، ولكنه نصب مكر على المصدرية ، أي: بل تكرّرت الإغواء مكرًّا دائماً لا تفترون عنه ، وانتصاب {إِذْ تَأْمُرُونَنَا} على أنه ظرف للمكر ، أي: بل مكركم بنا وقت أمركم لنا {أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} أي: أشباهاً ، وأمثالاً.
قال المبرد: يقال ندّ فلان فلان ، أي: مثله ، وأنشد:
أتيما تجعلون إليّ ندًّا... وما تيم بذي حسب نديد
والضمير في قوله: {وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب} راجع إلى الفريقين أي: أضمر الفريقان الندامة على ما فعلوا من الكفر ، وأخفوها عن غيرهم ، أو أخفاها كل منهم عن الآخر مخافة الشماتة.
وقيل: المراد بأسرّوا هنا أظهروا ؛ لأنه من الأضداد يكون ، تارة بمعنى: الإخفاء ، وتارة بمعنى: الإظهار ، ومنه قول امرئ القيس:
تجاوزت أحراساً وأهوال معشر... عليّ حراص لو يسرون مقتلي