شمالي فلم أر أحدا ، ثم نوديت ، فنظرت فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في [الهواء] [1] - يعني جبريل عليه السلام - فأخذتني رجفة شديدة فأتيت خديجة فقلت: دثروني ، فدثروني وصبوا عليّ ماء [2] ، فأنزل الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [3] قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ 74: 1 - 4.
[1] في (خ) : «في الهوى» .
أما قوله: «إن أول ما أنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 74: 1 ، فهو ضعيف بل باطل ، والصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ 96: 1 ، كما صرح به في حديث عائشة رضي الله عنها ، وأما يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 74: 1 فكان نزولها بعد فترة الوحي ، كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر ، والدلالة صريحة فيه في مواضع ، منها قوله وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال: فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 74: 1 ، ومنها قوله: ثم تتابع الوحي - يعني بعد فترته - فالصواب: أن أول ما نزل: اقْرَأْ 96: 1 ، وأن أول ما نزل بعد فترة الوحي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 74: 1. وأما قول من قال من المفسرين: أول ما نزل الفاتحة ، فبطلانه أظهر من أن يذكر. والله أعلم.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فاستبطنت الوادي» ، أي صرت في باطنه ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في جبريل عليه السلام: «فإذا هو على العرش في الهواء» ، المراد بالعرش الكرسي ، كما تقدم في الرواية الأخرى «على كرسي بين السماء والأرض» ، قال أهل اللغة: العرش هو السرير ، وقيل: سرير الملك.
قال الله تعالى: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ 27: 23 [الآية 23/ النمل] ، والهواء هنا ممدود يكتب بالألف ، وهو الجو بين السماء والأرض كما في الرواية الأخرى ، والهواء: الخالي ، قال تعالى: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ 14: 43 [الآية 43/ إبراهيم] .
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فأخذتني رجفة شديدة» ، هكذا هو في الروايات المشهورة «رجفة: بالراء» ، قال القاضي: ورواه السمرقندي «و جفة: بالواو» وهما صحيحان متقاربان ، ومعناهما: الاضطراب.
قال الله تعالى: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ 79: 8 [الآية 8/ النازعات] ، وقال تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ 79: 6 [الآية 6/ النازعات] ، وقال تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ 73: 14 [الآية 14/ المزمل] .
[2] قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فصبوا على ماء» ، فيه أنه ينبغي أن يصب على الفزع الماء ليسكن فزعه. والله تعالى أعلم.
[3] وأما تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 74: 1 ، فقال العلماء: المدثر ، والمتلفف ، والمشتمل ، بمعنى واحد ، ثم الجمهور على أن معناه المدثر بثيابه. وحكى الماوردي قولا عن عكرمة أن معناه المدثر بالنّبوّة وأعبائها.
وقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ 74: 2 ، معناه حذّر العذاب من لم يؤمن ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 74: 3 أي عظمه ونزهه عما لا يليق به ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ 74: 4 قيل معناه طهرها من النجاسة ، وقيل قصّرها ، وقيل:
المراد بالثياب النفس ، أي طهرها من الذنب وسائر النقائص. وَالرُّجْزَ 74: 5 بكسر الراء في قراءة الأكثرين ، وقرأ حفص بضمها ، وفسره في الكتاب الأوثان ، وكذا قاله جماعات من المفسرين. والرّجز في اللغة العذاب ، وسمّي الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنه سبب العذاب ، وقيل: المراد بالرجز في الآية الشرك ، وقيل: الذنب وقيل: الظلم. والله أعلم. (مسلم بشرح النووي) : 2/ 565 - 567 ، كتاب الإيمان باب (73) حديث رقم (257) .