سبأ 24 إنما وصف فِعْله بالإجرام وقال عن الكفار {وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} سبأ 25 ولم يَقُل تجرمون. وفي الآية دقيقة أخرى، هي ورود أَجْرَمْنَا بصيغة الماضي، كأن الإجرام حدث بالفعل، أما هم فورد الفعل تَعْلَمُونَ بصيغة المضارع ليدل على أنه لم يحدث منهم بعد، وهذا تلطف آخر، وارتقاء في النقاش، وتودُّد إلى الخَصْم عَلَّه يرعوى، فيفرح الله بتوبته وعودته إلى رحابه. وهذا الأسلوب الجدلي في الآيتين لا يتأتَّى إلا من المجادل القوي الحجة الذي لا تنزله عنها زَلَّة سابقة من خَصْمه. ومثل ذلك قولنا في المناقشة سلَّمنا جدلاً بكذا وكذا، ونرضى لأنفسنا بالأقل، لماذا؟ لأنك تعلم أنك على الحق، وقوة الجدل لديك تجعلك على ثقة بأن البحث في المسألة سينتهي لصالحك. لكن، مع ذلك كيف يأمر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أنْ ينسب الإجرام إلى نفسه؟ قالوا لأن الجُرْم يختلف باختلاف المخاطب به، كما قالوا حسنات الأبرار سيئات المقربين. ثم تنتهي الآيات إلى خلاصة هذه القضية في قوله تعالى {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ ...} .
{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ}
المعنى لن نطيل معكم النقاش والحجة لأننا نتكلم بالحق وأنتم تتلاعبون بالباطل، فالخلاصة معكم أنْ يفصل اللهُ بيننا وبينكم في محكمته الإلهية {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ..} سبأ 26 أي يوم القيامة {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ ..} سبأ 26 أي يحكم ويقضي، وفي بعض بلادنا حتى الآن يقولون للقاضى الفتاح {وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} سبأ 26 أي الذي يحكم عن علم كامل، ولا تَخْفى عليه خافية. وسُمِّي الحكم فَتْحاً، لأنه يفتح شيئاً عن شيء ويحدث فُرْجة بينهما، فكأنهما كانا متشابكين، بحيث يلتبس الحق بالباطل، وكأنها معركة، فيأتي الحكم فيفضُّ هذا الاشتباك، وفَضُّ الاشتباك هذا هو الفتح، ولا يفتح بين الحق والباطل إلا الله.
{قُلْ أَرُونِيَ الَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ}