فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39] فَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّرَابُ شَيْئًا، فَعَلَامَ أُدْخِلَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ} [النور: 39] ؟
قِيلَ: إِنَّهُ شَيْءٌ يُرَى مِنْ بَعِيدٍ كَالضَّبَابِ الَّذِي يُرَى كَثِيفًا مِنْ بَعِيدٍ وَالْهَبَاءِ، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ الْمَرْءُ رَقَّ وَصَارَ كَالْهَوَاءِ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذَا جَاءَ مَوْضِعَ السَّرَابِ لَمْ يَجِدِ السَّرَابَ شَيْئًا، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ السَّرَابِ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ.
{إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، مَعَ شِدَّةِ هَذِهِ الظُّلْمَةِ
الَّتِي وَصَفَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَمْ أكدْ أَرَى فُلَانًا، إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتٌ مِنْهُ لِنَفْسِهِ رُؤْيَتَهُ بَعْدَ جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، وَمِنْ دُونِ الظُّلُمَاتِ الَّتِي وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا لَا يَرَى النَّاظِرُ يَدَهُ إِذَا أَخْرَجَهَا فِيهِ، فَكَيْفَ فِيهَا؟
قِيلَ: فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ نَذْكُرُهَا، ثُمَّ نُخْبِرُ بِالصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ رَائِيًا لَهَا لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا؛ أَيْ: لَمْ يَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ يَرَاهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَرَهَا، وَيَكُونَ قَوْلُهُ: {لَمْ يَكَدْ} [النور: 40] فِي دُخُولِهِ فِي الْكَلَامِ، نَظِيرَ دُخُولِ الظَّنِّ فِيمَا هُوَ يَقِينٌ مِنَ الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ: {وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصِ} [فصلت: 48] وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ رَآهَا بَعْدَ بُطْءٍ وَجَهْدٍ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ: مَا كِدْتُ أَرَاكَ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَقَدْ رَآهُ، وَلَكِنْ بَعْدَ إِيَاسَ وَشِدَّةٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّالِثُ أَظْهَرُ مَعَانِي الْكَلِمَةِ مِنْ جِهَةِ مَا تَسْتَعْمِلَ الْعَرَبُ (أَكَادُ) فِي كَلَامِهَا.