وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَكَانَ الْأَصْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَاءُ لَا جَرَمَ ذَكَرَهُ عَلَى هَذَا الوجه.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الدَّابَّةِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَمَسْكَنُهُمْ هُنَاكَ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ، وَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ جِدًّا مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ كَوْنُهُمْ مَخْلُوقِينَ مِنَ الْمَاءِ، إِمَّا لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ النُّطْفَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا لَا تَعِيشُ إِلَّا بِالْمَاءِ لَا جَرَمَ أَطْلَقَ لَفْظَ الْكُلِّ تَنْزِيلًا لِلْغَالِبِ مَنْزِلَةَ الْكُلِّ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ نَكَّرَ الْمَاءَ فِي قَوْلِهِ: (مِنْ ماءٍ) وَجَاءَ مُعَرَّفًا فِي قَوْلِهِ: (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ) حَيٍّ) [الْأَنْبِيَاءِ: 30] ؟
وَالْجَوَابُ: إنما جاء هاهنا مُنَكَّرًا لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ نَوْعٍ مِنَ الْمَاءِ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا جَاءَ مُعَرَّفًا فِي قَوْلِهِ: (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وهاهنا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ الْجِنْسَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (فَمِنْهُمْ) ضَمِيرُ الْعُقَلَاءِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مِنْ) فَلِمَ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مَا لَا يَعْقِلُ مَعَ مَنْ يَعْقِلُ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ فَغَلَبَ اللَّفْظُ اللَّائِقُ بِمَنْ يَعْقِلُ، لِأَنَّ جَعْلَ الشَّرِيفِ أَصْلًا وَالْخَسِيسِ تَبَعًا أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَيُقَالُ فِي الْكَلَامِ: مَنِ الْمُقْبِلَانِ؟
لِرَجُلٍ وَبَعِيرٍ.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: لِمَ سَمَّى الزَّحْفَ عَلَى الْبَطْنِ مَشْيًا؟