وقوله: {يُذْكَرُ فِيهَا} ؛ أي: في تلك المساجد {اسْمَ اللَّهِ} سبحانه بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وغيرها عند الصلاة. {كَثِيرًا} ؛ أي: ذكرا كثيرًا ووقتًا كثيرًا، صفة مادحة للمساجد خصت بها دلالة على فضلها وفضل أهلها. ويجوز أن يكون صفة للأربع؛ لأن الذكر في الصوامع والبيع والصلوات كان معتبرًا قبل انتساخ شرائع أهلها.
والمعنى: أي فليقاتل المؤمنون الكافرين، فلولا القتال، وتسليط المؤمنين على المشركين في كل عصر وزمان، لهدمت في شريعة كل نبي معابد أمته، فتهدم صوامع النصارى وبيعهم وصلوات اليهود ومساجد المسلمين، التي يذكرون فيها اسم الله كثيرًا.
وفي هذا ترق، وانتقال من الأقل إلى الأكثر، حتى انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عمَّارًا، وأكثر عبادًا، وهم ذووا القصد الصحيح.
والخلاصة: أنه لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، وإقامة حدود الأديان .. لاستولى أهل الشرك على مواضع العبادة، وهدموها، وقد يكون المراد لولا هذا الدفع، لهدمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - المساجد.
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} واللام: فيه موطئة لقسم محذوف؛ أي: وعزتي وجلالي لينصرن الله سبحانه وليعينن من يقاتل في سبيله، لتكون كلمته العليا،
وتكون كلمة عدو دينه السفلى، أو كلمة من ينصر أولياءه هي العليا. ولقد أنجز الله وعده حيث سلط المهاجرين والأنصار على صناديد قريش، وأكاسرة العجم وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم. {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه {لَقَوِيٌّ} على كل ما يريده {عَزِيزٌ} لا يمانعه شيء ولا يدافعه. والقوي القادر على الشيء. والعزيز الجليل الشريف. قاله الزجاج.
وقيل: الممتنع الذي لا يرام ولا يدافع ولا يمانع. وفي"بحر العلوم"غني بقدرته وعزته في إهلاك أعداء دينه عنهم، وإنما كلفهم النصر باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة الأعداء، وبذل الأرواح، والأموال لينتفعوا به، ويصلوا بامتثال الأمر فيها، إلى منافع دينية ودنيوية.