والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئا من المشاعر الأخرى التي تلابسه. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى، فأيها في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» رواه الشيخان. كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا، ويذهب وحده هالكا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار. وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماما فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية. وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه.
من أجل هذا كله ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطئ النصر فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام. مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية.
وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه.)
التفسير:
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه، وأنابوا إليه شر الأشرار، وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ في أمانة كَفُورٍ لنعمة الله، أي لا يحب من عباده من اتصف بالخيانة في العهود والمواثيق والأمانات، ومن اتصف بالجحود للنعم، والآية قسمها الأخير