قالوا: إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤماً ، وعن الإيعاد كرماً ، وذكروا عن الأصمعي أنه قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء ، فجاءه عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو ، هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا ، فذكر آية وعيد ، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الإيعاد كرماً ، أما سمعت قول الشاعر:
ولا يرهب ابن العم والجار سطوتي... ولا انثنى عن سطوة المتهدد
فإنّي وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فيه نظر من وجهين:
الأول: هو ما بيناه آنفاً من إطلاق الوعد في القرآن على التوعد بالنار ، والعذاب كقوله تعالى: {النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ} [الحج: 72] وقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ} لأن ظاهر الآية الذي لا يجوز العدول عنه ، ولن يخلف الله وعده في حلول العذاب الذي يستعجلونك به بهم ، لأنه مقترن بقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب} فتعلقه به هو الظاهر.
الثاني: هو ما بينا أن ما أوعد الله به الكفار لا يصح أن يخلفه بحال ، لأن ادعاء جواز إخلافه ، لأنه إيعاد وأن العرب تعد الرجوع عن الإيعاد كرماً يبطله أمران:
الأول: أنه يلزمه جواز ألا يدخل النار كافر أصلاً ، لأن إيعادهم بإدخالهم النار مما زعموا أن الرجوع عنه كرم ، وهذا لا شك في بطلانه.
الثاني: ما ذكرنا من الآيات الدالة: على أن الله لا يخلف ما أوعد به الكفار من العذاب كقوله: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ} [ق: 28 - 29] الآية وقوله تعالى فيهم {فَحَقَّ وَعِيدِ} [ق: 14] وقوله فيهم: {فَحَقَّ عِقَابِ} [ص: 14] ومعنى حق: وجب وثبت ، فلا وجه لانتفائه بحال ، كما أوضحناه هنا وفي غير هذا الموضع.
قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} .