ففي مرحلة الإذن انتقال بالنفوس من مرحلة الحظر إلى مرحلة الإباحة ، وهذا الانتقال فيه ترويض للنفوس على الاستعداد للقتال ، وتدرج حكيم تأنس به النفوس ، وتطمئن القلوب ، وتقوى العزائم ، لأن الانتقال الطفري أو المفاجئ ربما أصاب الناس بالقلق والانتكاس ، وإنما تكون حكمة السياسة ، أو السياسة الحكيمة في الترفق والتدرج ، وهكذا
كان هذا التشريع ، وهي سمة نهجها القرآن في الكثير من الأحكام التشريعية ، كما في تحريم الخمور ، فقد تدرج القرآن في تحريمها على أربع مراحل ، لما كان لها من رواج في حياة الناس ، ودور ملحوظ في وسائل الكسب المعيشي - أو الاقتصاد القومي بلغة العصر.
لذلك لم يحس المسلمون بأي ضيق لَّما فُرض عليهم القتال ، ولا فوجئوا بأمر لم يتوقعوه ، مع أن طبائع البشر تكره القتال ، وتميل إلى الراحة والدعة ، ومنذ ذلك الوقت صار القتال واجباً على المسلمين إذا دعت إليه ضرورة.
* لماذا شُرع القتال ؟
لم تكن شريعة الإسلام أوحدية في مشروعية القتال ، فالقرآن الكريم يقص علينا أنَّ كثيراً من الأنبياء مارسوا هذا الفن بإذن الله فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} .
والتاريخ النبوي لبني إسرائيل حافل بالمعارك بين الأنبياء ومعارضيهم ، فليس القتال إذاً مسبة ولا نقضيه لا في الإسلام ، ولا في غير الإسلام من الرسالات السابقة.