ففي سرية نخلة في رجب سنة 2 هـ التي كان أميرها عبد الله بن جحش الأسدى وقعت مخالفات لم يأذن بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كانت المهمة التي كلف الرسول بها هذه السرية مقصورة على تقصي أخبار قريش ولم يأمرهم بقتال ، وبخاصة أن السرية كانت في رجب ، وهو من الأشهر الحرم التي حرَّم الله فيها القتال إلا إذا قوتل المسلمون ، لكن السرية رأت عيراً لقريش تحمل مواد غذائية فهجموا عليهم وقتلوا منهم واحداً وأسروا اثنين وفرَّ رابع كان في العير ، ولما قدموا المدينة بالغنائم أنكر عليهم - صلى الله عليه وسلم - ما فعلوا وقال:"ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"ووقف التصرف في الغنائم.
ثم عاد عليه السلام فأطلق الأسيرين إلى حال سبيلهما ، ثم أعطى دية المقتول إلى أولياء دمه.
هكذا تجلت سماحة الإسلام في التصرف النبيل الذي صدر عن صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - .
فقد أنصف المظلوم دون أن يتقم إليه المظلوم بطلب الإنصاف ، وصحح الأخطاء التي وقع فيها جنوده من تلقاء نفسه.
فأي سماحة هذه ؟ وأي إنصاف هذا الإنصاف ؟ وليس هذا بغريب على من أرسله الله رحمة للعالمين.
* مرحلة الأمر الوجوبي:
في مرحلة الإذن بالقتال لم يكن القتال واجباً على المسلمين ، لأن الإذن معناه رفعُ الحظر ، ورفع الحظر يترتب عليه الإباحة لا الوجوب ، وهكذا استمر الحال قرابة عامين بعد الهجرة.
وفي شهر شعبان سنة 2 هـ نزل الأمر بالوجوب أي قبيل غزوة بدر الكبرى أولى الغزوات العظيمة في الإسلام. وذلك في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ... وبهذا مرَّ شأن القتال في الإسلام بثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة الحظر.
الثانية: مرحلة الإباحة.
الثالثة: مرحلة الوجوب.
ومجيء مرحلة الوجوب عقب مرحلة الإذن ، وقبيل غزوة بدر الكبرى تشريع بالغ الحكمة.