والمراد أنْ يأخذوا بكل أسباب النصر على عدوهم ، وأن يستنفدوا كل ما لديهم من وسائل ، فإنِ استنفدتم وسائلكم ، أتدخَّل أنا بجنود من عندي لا ترونها ، فليس معنى أن الله يدافع عن الذين آمنوا أن تدخُلَ السماء لحمايتهم وهم جالسون في بيوتهم ، لا إنما يأخذون بأسباب القوة ويسعَوْنَ ويبادرون هم أولاً إلى أسباب النصر .
ومعنى {أُذِنَ . .} [الحج: 39] أنهم كانوا ينتظرون الأمر بالقتال ، ويستشرفون للنصر على الأعداء ، لكن لم يُؤذَن لهم في ذلك ، فلما أراد الله لهم أنْ يقاتلوا أَذن لهم فيه ، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] .
وعِلّة القتال أنهم ظُلِموا ، لذلك أمرهم ربهم - تبارك وتعالى - أنْ يقاتلوا ، لكن لا يعتدوا ، كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين * واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ . .} [البقرة: 190 - 191] .
إذن: أمرهم أولاً بالصبر ، وفي المرحلة الأولى بأنْ يقاتلوا لِردِّ العدوان ، وللدفاع عن أنفسِهم دون أنْ يعتدوا ، وفي المرحلة الثانية سيقول لهم: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} [التوبة: 123] .
وقوله تعالى: {وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] بأسباب يُمكِّنهم منها ، أو بغير أسباب فتأتيهم قوة خفية لا يروْنها ، وقد رأوا نماذج من ذلك فعلاً .
ثم يقول الحق سبحانه: {الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله . .}