وكلمة {الحمد لِلَّهِ} هذه هي الصيغة التي علمنا الله أنْ نحمدَهُ بها ، وإلا فلو ترك لنا حرية التعبير عن الحمد ولم يُحدِّد لنا صيغة نحمده ونشكره بها لاختلف الخَلْق في الحمد حَسْب قدراتهم وتمكّنهم من الأداء وحَسْب قدرتهم على استيعاب النعم ، ولوجدنا البليغ صاحب القدرة الأدائية أفصح من العيي والأُمّي . فتحمّل الله عنا جميعاً هذه الصيغة ، وجعلها متساوية للجميع ، الكل يقول {الحمد لِلَّهِ} البليغ يقولها ، والعيي يقولها ، والأُمّي يقولها .
لذلك يقول صلى الله عليه وسلم وهو يحمد الله ويُثنِي عليه:"سبحانك لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيتَ على نفسك".
فإنْ أردنا أنْ نُحصي الثناء عليك فلن نستطيع ؛ لأن الثناء عليك لا يعرف مداه إلا أنت ، ولا يُحصيه غيرك ، ولا نملك إلا أنْ نقولَ ما علَّمتنا من حمدك: الحمد لله .
إذن: فاستواء الناس جميعاً في الحمد لله نعمة كبرى في ذاتها تستحق الحمد ، فنقول: الحمد لله على ما عَلِمنا من الحمد لله ، والحمْد الأول أيضاً نعمة ، وبذلك نقول: الحمد لله على ما عَلِمنا من الحمد لله بالحمد لله .
وهكذا ، لو تتبعتَ الحمدَ لوجدته سلسلةً لا تنتهي ، حَمْد على حَمْد على حَمْد على حَمْد ، فيظل الله محموداً دائماً ، يظل العبد حامداً إلى ما لا نهاية .
والحمد لله استهل بها الحق سبحانه خَمْس سور من القرآن:
{الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} [الفاتحة: 2] {الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]
{الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب . .} [الكهف: 1] {الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِي الآخرة} [سبأ: 1] {الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أولي أَجْنِحَةٍ . .} [فاطر: 1]