وقال المصنف في البصائر نقلًا عن أبي القاسم الأصبهاني:
الوجود أضرُب: وجود بإحدى الحواس الخمس، نحو: وجدت زيدًا ووجدت طعمه ورائحته وصوته وخشونته، ووجود بقوة الشهوة: وجدت الشبع، ووجود أيده الغضب نحو: وجود الحرب والسخط، ووجود بالعقل أو بوساطة العقل: كمعرفة الله تعالى ومعرفة النبوة، وما نسب إلى الله تعالى من الوجود فبمعنى العلم المجرد، إذ كان الله تعالى منزهًا عن الوصف بالجوارح والآلات، نحو قوله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) } . وكذا المعدوم يقال على ضد هذه الأوجه، ويعبر عن التمكن من الشيء بالوجود، نحو قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} أي حيث رأيتموهم، وقوله تعالى {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُم} ، وقوله {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ} وقوله: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} ووجود بالبصيرة، وكذا قوله
{وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا} وقوله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} أي إن لم تقدروا على الماء.
الوجه الثاني: معنى حرف الجر (في) .
حروف الجر ينوب بعضها عن بعض:
فمن المعروف عند علماء اللغة أن هناك توسعًا في استعمال حروف الجر، بحيث يؤدي هذا الحرف معاني غيره من الحروف الأخرى، ولنأخذ مثالًا على ذلك، فحرف الجر الذي معنا في هذه الآية وهو (في) لنرى ماذا يقول النحاة في استعمالاته:
قال ابن هشام: (في) حرف جر، له عشرة معاني:
1 -الظرفية: وهي إما مكانية أو زمانية وقد اجتمعتا في قوله تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) } [الروم: 1 - 4] .
أو مجازية: نحو {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، ومن المكانية (أدخلت الخاتم في إصبعي، والقلنسوة في رأسي) .
2 -المصاحبة، نحو قوله تعالى {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} أي معهم.