وعن المقداد بن معديكرب: إنَّ التُّراب يسبح ما لم يبتلَّ، والخريزة تسبح ما لم ترفع من موضعها، والورق ما دام على الشجر، والماءَ ما دام جاريًا، والثوب ما دام جديدًا، فإذا اتسخ ترك التسبيح، والوحش، والطير إذا صاحت، فإذا سكتت تركت التسبيح، وفي الحديث عن السدي: «ما اصطيد حوت في البحر، ولا طائر يطير إلا بما يضيّع من تسبيح الله» كما في تفسير «المدارك للنسفي» .
45 -ولما فرغ سبحانه من الإلهيات شرع في ذكر بعض من آيات القرآن، وما يقع من سامعيه فقال: {وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} ؛ أي: وإذَا قرأت أيُّها الرسول القرآن على هؤلاء المشركين، الذين لا يصدقون بالبعث، ولا يقرُّون بالثواب، والعقاب، {جَعَلْنا بَيْنَكَ} يا محمد {وَبَيْنَ} هؤلاء المشركين {الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا} يحجبهم من أن يدركوك على ما أنْتَ عليه من النبوة، ويفهموا قدرك الجليل، ولذلك اجترؤوا على أن يقولوا: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} ويمنعوا قلوبهم عن أن تفهم ما تقرؤه عليهم، فينتفعوا به، عقوبة منّا لهم على كفرهم، وتدسيتهم لأنفسهم، واجتراحهم الجرائم، والمعاصي التي تظلم القلوب، وتضع عليها الأغشية، وتستر عنها فهم حقائق القرآن، ومراميه، وأسراره وأحكامه، وحكمه، ومواعظه، وعبره؛ أي: أنهم لإعراضهم عن قراءتك، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجابٌ يمرون بك ولا يرونك، ذكر هذا المعنى الزجّاج وغيره. ومعنى {مَسْتُورًا} ؛ أي: ساترًا يسترك عنهم، قال الأخفش: أراد ساترًا، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول، كما تقول إنك لمشؤومٌ وميمونٌ، وإنما هو شائم، ويامن وقيل: معنى مستورًا ذا ستر كقولهم: سيلٌ مفعمٌ؛ أي: ذو إفعام من أفعمت الإناء؛ أي: ملأته، وقيل: حجابًا لا تراه الأعين، فهو مستور عنها، وقيل: حجاب من دونه حجابٌ، فهو مستور بغيره، والمعنى حجابًا محجوبًا وقيل: المراد بالحجاب المستور الطّبع والختم.