فكثيراً ما يكون التطرف في التدين رد فعل لتطرف مناقض: تطرف في التحلل من الدين والإزراء عليه، والسخرية به، وهنا يكون هذا اللون من التطرف أمراً طبيعياً، لأنه مساير لقوانين الفعل ورد الفعل ... وهو جدير بأن ينبه أولئك الشاردين للرجوع إلى الوسط المعتدل، وبالتالي يعود هؤلاء ليلتقوا مع أولئك في منتصف الطريق.
ومعنى هذا أن الحياة نفسها كثيرا ما تحتاج إلى قدر من التطرف، لنقاوم به تطرفاً آخر مضاداً له، حتى تعتدل كفتا الميزان بين المتشددين والمتسيبين، ولا يفل الحديد إلا الحديد، وهذا ما توجبه سنة التدافع بين الناس (( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) ) (البقرة: 251) .
والعجيب أن المتطرفين في جانب التحلل من قيود الدين، والمجافاة لقيمه وفضائله لا يلقون من الإنكار والمعارضة ما يلقاه المتطرفون في جانب التمسك بالدين والولاء له، وكان المفروض أن ينكر التطرف بشقيه.
فهل من الإنصاف أن ننحي باللائمة، ونصب جام غضبنا على الشاب الذي يعيش للإسلام وبه، محافظاً على الصلوات، هاجراً للمنكرات، محصنا فرجه، غاضاً بصره، حافظاً لسانه، يتحرى الحلال، ويتوقى الحرام، حريصاً على كل ما يعتقد أنه من أدب الإسلام، من لحية يطيلها، وثوب يقصره، وسواك يراه مطهرة للفم، مرضاة للرب، صائناً لوقته من اللغو، ولماله من الإضاعة فيما لا يفيد، حتى السيجارة لا يتناولها .. ننكر على هذا الشاب الناشئ في طاعة الله مهما يكن متشدداً أو متزمتاً .. على حين نسكت عن الشباب الذين أضاعو الصلاة، واتبعوا الشهوات، من المائعين الذائبين الذين لا تكاد تميز الفتى فيهم عن الفتاة، الذين لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، ممّن فقدوا أصالتهم، ومشوا وراء الغرب، فكراً وسلوكاً، حذوا النعل بالنعل!!
هل من الإنصاف أن يتعالى الصراخ ويشتد النكير على ما سمي"التطرف الديني"وأن يلوذ الجميع بالصمت تجاه"التطرف اللاديني"؟!! ..