ثم دار الفلك دورته فكانت كارثة 1967 م وإذا بالسياسة العربية تتخذ مساراً جديداً كل همه وغايته ليس أكثر من"إزالة آثار العدوان"أي: الاعتراف بإسرائيل، وبكل ما عدت عليه قبل 5 حزيران (يونية) 1967 م ومعنى هذا: أن العدوان الجديد قد أضفى الشرعية على العدوان القديم!.
فلماذا كانت حرب 1948 م؟ ولماذا كانت حرب 1956 م؟ ولماذا كانت حرب 1967 م؟.
لماذا لم تسلموا لإسرائيل منذ التقسيم، وتريحوا الأمة من أعباء الحرب وخسائرها وويلاتها؟
وجاء السعي وراء ما سمي"الحل السلمي"ومعاهدات السلام مخيباً للآمال ومحبطاً لكل ما كان عند الشباب من توثب وطموح -ومهما برره من برره - بضروات واعتبارات عسكرية أو سياسية محلية أو دولية، فقد كان ذلك صدمة شديدة العنف لأنفس الشباب المسلم وآماله.
وزاد من وقع الصدمة على نفسه أن القوى العالمية الكبرى كلها تؤيد بقاء إسرائيل، مع وضوح حقنا نحن العرب والمسلمين، إنها الصليبية في شكل جديد، هكذا يفكر الشباب ويشعرون، والوقائع تؤيدهم.
هذا الشعور ولا شك، يعمل عمله في أنفس الناشئة المسلمة، الشعور بتلك الروح الصليبية التي لا تزال تحرك الكثيرين من ساسة الغرب وقادتهم إلى اليوم، والنظر إلى العالم الإسلامي وإلى كل حركة إسلامية فيه من خلال الأحقاد الموروثة من عهود الصراع مع أمة الإسلام.
ولقد تشكك كثير من مثقفي المسلمين المستنيرين وشككوا، حيناً من الدهر في صحة هذه القضية: (الروح الصليبية لدى الغرب) بدعوى أن المصالح وحدها هي الدافع الأوحد -وإن تساهلنا، قلنا: المحرك الأول - الذي يؤثر على صنع القرار السياسي أو العسكري عند القوم.
ولم تلبث الأيام أن بينت لهؤلاء المتفائلين أنهم مخطئون، وأنا لا أتحدث عن"اللنبي"أو"غورو"بل أتحدث عن المعاصرين.
لماذا يقف هؤلاء مع إسرائيل اليوم؟ لماذا يعلنون مصّرين على أنها خلقت لتبقى؟ لماذا تتحدى أمريكا العالم كله باستخدام حق الفيتو كلما أراد مجلس الأمن أن يدين إسرائيل؟
لماذا تساند الحبشة ضد إرتيريا؟