ومن ناحية أخرى، يرى الظلم الاجتماعي البين، والتفاوت الطبقي الفاحش، أفراد يلعبون بالملايين، وجماهير لا يجدون الملاليم، قصور تشاد وتنفق عليها عشرات الملايين، وربما لا تسكن في السنة إلا أياماً معدودات، على حين يموت ملايين في العراء، لا يجدون ما يحميهم من حر الصيف ولا برد الشتاء؛ أناس تموج خزائنهم بالذهب كما يموج التنور باللهب، وأرصدتهم في البنوك الأجنبية بأرقامها السرية، لا يعلم مقدارها إلا الله والكرام الكاتبون، والخواجات الحاسبون؛ وسواد الناس ليس لهم خزائن إلا الجيوب التي كثيراً ما تشكو الإفلاس والخواء. . فهي قانعة بالقليل، ولكنه لا تجده، منشدة قول أبي العتاهية:
حسبك مما تبتغيه القوتُ ما أكثر القوت لمن يموت!
ومع هذا لا تجد ما تشتري به القوت يسد جوعة الأطفال يصرخون، أو الكبار يتألمون، ولو تبرع وجيه أو ثري من أثرياء النفط، أو أثرياء الانفتاح، أو وسطاء الشركات العالمية! بما يكسبه في صفقة، أو يخسره في ليلة على المائدة الخضراء، أو ينفقه تحت أقدام شقراء، لأغنى الكثير من الفقراء، وأشبع الكثير من الجياع، وكسا الكثير من العراة.
وكيف لا، والثروات الضخمة تجمع بل تنهب، والأموال العامة تسرق بل تغصب، والرشوة لها سوق بل أسواق، والمحسوبية قائمة على قدم وساق، واللصوص الكبار يتمتعون بالحرية والتكريم، واللصوص الصغار وحدهم يتعرضون للعقاب الأليم! وداء الحسد والبغضاء بين الأفراد والفئات - نتيجة لهذا التظالم - يفتك بالقلوب والعلاقات، فتك الأوبئة بالأجسام؛ ودعاة المبادئ الهدامة يستغلون هذا المناخ وتناقضاته الصارخة، ليؤججوا نار الصراع الطبقي، والحقد الاجتماعي، تهيئة لنشر مذاهبهم المستوردة، فيجدوا في هذا الجو الأذن التي تسمع، لا حباً في المذهب المنشود، ولكن كرهاً للواقع المشهود.