والتاريخ إنما هو في الواقع ذاكرة الأمة الحافظة الواعية، والأمة التي تهمل تاريخها أشبه بالفرد يفقد ذاكرته، ويعيش ليومه وحده، بلا ماض يعرفه ويبني عليه، إنه إنسان مبتلى مقطوع الجذور، يرثى لحاله، وهو أحوج ما يكون إلى العلاج، فكيف ترضى جماعة أن تجعل هذا الوضع المَرضيّ الشاذ أساساً لحياتها؟
والتاريخ هو المرآة التي تتجلى فيها سنن الله تعالى في الكون عامة، وفي الاجتماع البشري خاصة، ولهذا عني القرآن عناية بالغة بلفت الأنظار، وتنبيه العقول إلى هذه السنن للانتفاع بها، وتلقي الدروس العملية منها.
اقرأ معي هذه الآيات الكريمة:
(( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ) )
[آل عمران:137] .
وهذه السنن تتميز بالثبات، فلا تتبدل ولا تتحول. كما قال سبحانه: (( وأقسموا بالله جهد أيمانِهم لئنْ جاءهم نذيرٌ ليكونُنّ أهدى مِنْ إحدى الأمم فلمّا جاءهم نذِيرٌ ما زادهم إلاّ نُفوراً. استِكباراً في الأرض ومكر السيئ، ولا يحيق المكُر السيّئُ إلاّ بأهُلِه فهل ينظرون إلاّ سُنة الأولين فلن تجد لِسنة الله تبديلاً ولن تجد لسُنّة الله تحويلا ً ) ) [فاطر:42 - 43] .
كما تتميز هذه السنن بالعموم فهي تنطبق على الناس جميعاً، بغض النظر عن أديانهم، وجنسياتهم، فأي مجتمع أخطأ أو انحرف لقي جزاء خطئه أو انحرافه، ولو كان هو مجتمع الصحابة أو مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمناً لخطئهم في غزوة أحد، وهو ما سجله القرآن عليهم بوضوح في قوله: (( أولماّ أصابتكم مُصيبةٌ قد أصبتم مِثليها قلتم أنّى هذا قل هو مِنْ عند أنفسكم ) ) [آل عمران:165] وبيّن في آية أخرى هذا الذي عند أنفسهم بقوله: (( حتّى إذا فشِلتم وتنازعتُم في الأمر وعصيتم ) )
[آل عمران:152] .