وهنا نجد من الإنصاف أن نقول: إن بعض الشباب إنما اعتمدوا على الكتب، لفقدانهم الثقة بأكثر المحترفين من رجال العلم، وخاصة المقربين من السلطان منهم، فهم عندهم في موضع الاتهام، لأنهم يمالئون الحاكم رغم علمهم بأنه لا يحكم بما أنزل الله، وهم لم يكتفوا بأن يسكتوا عن أن يقولوا للظالم: يا ظالم، بل قالوا له: ما أعْدَ لك وما أعظمك أيها البطل! فليتهم إذ سكتوا عن الحق لم ينطقوا بالباطل! فلا غرو أن وجدوا الأموات أوثق وآمن من الأحياء، فلجئوا إلى كتبهم يأخذون عنها دون وسيط.
قلت لأحد هؤلاء: يجب أن تأخذوا العلم من أهله، وتسألوا أهل الذكر من العلماء فيما لا تعلمون.
قال: وأين نجد هؤلاء العلماء الذين نطمئن إلى دينهم وعلمهم؟ إننا لا نجد إلا هؤلاء الذين يدورون في فلك الحكام، إن أرادوا الحل حللوا، وإن أرادوا الحرمة حرموا؛ إذا كان الحاكم اشتراكياً باركوا الاشتراكية ووصلوا نسبها بالإسلام، وإذا كان رأسمالياً أيدوا الرأسمالية باسم الإسلام!
العلماء الذين إذا أراد حاكمهم الحرب فالسلم حرام ومنكر، وإذا تغيرت سياسته فأراد السلم، صدرت الفتاوى بالتبرير والتأييد (( يُحِلُّونه عاماً ويحرِّمونه عاما ً ) )
العلماء الذين سوّوا بين الكنيسة والمسجد، وبين الهند الوثنية وباكستان الإسلامية!
قلت له: لا ينبغي أن نحمّل الكل ذنب البعض، وأن نأخذ المحسنين بتقصير المسيئين، فمن العلماء من رفض الباطل، ومن تصدى للظلم، ومن أبى الانحناء للطاغوت، ومن قاوم إغراء الوعد وإرهاب الوعيد، واحتمل العذاب، وصبر على البلاء، ورضي بالسجن والتنكيل، بل رحب بالشهادة في سبيل الله، ولم يقبل المساومة على دينه، أو التهاون في شأن عقيدته.
قال الشاب: لا أجحد هذا، ولكن المسيئين هم الكبار المرموقون، والقادة المسؤولون الذين بأيديهم مقاليد الفتوى والتوجيه والإرشاد.
ولا ريب أن مع الشباب كثيراً من الحق فيما قالوا: فقد أصبح كثير من"العلماء الكبار"أدوات في يد السلطان، إن شاء أن ينطقوا بما يريد من شأنٍ نطقوا وأفصحوا، وإن شاء أن يصمتوا صمتوا حيث يجب البيان، ويحرم الكتمان، والساكت عن الحق كالناطق بالباطل، كلاهما شيطان.