{وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} [الأعراف: 163] .
وقد سمَّى القرآن الكريم ذلك منهم اعتداءً؛ لأنهم اعتدوا على ما شرع الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] .
وقوله تعالى:
{إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ...} [النحل: 124] .
كلمة (اخْتَلَفُوا) تُوحي بوجود طائفتين متناقضتين في هذه القضية، والحقيقة أن الخلاف لم يكُنْ بين اليهود بعضهم البعض، بل بينهم وبين نبيهم الذي اختار لهم يوم الجمعة، فخالفوه واختاروا السبت، فجعل الله الخلاف عليهم.
فالمعنى: إنما جُعِل السبت حُجّة على الذين اختلفوا فيه؛ لأنه اثبت عدوانهم على يوم العبادة، فبعد أن اقترحوه اختاروه انقلب حُجة عليهم، ودليلاً لإدانتهم.
ولو تأملنا قوله:
{على الذين. .} [النحل: 124] .
نجد أن كلمة (عَلَى) تدلُّ على الفوقية أي: أن لدينا شيئاً أعلى وشيئاً أدنى؛ فكأن السبت جاء ضد مصلحتهم، وكأن خلافهم مع نبيهم انقلب عليهم.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ. .} [الرعد: 6] .
يؤولها بعضهم على معنى (مع ظلمهم) نقول: المعنى صحيح، ولكن المعية لا تقتضي العلو، فلو قلنا: مع ظلمهم فالمعنى أن المغفرة موجودة مع الظلم مجرد معية، أما قول الحق سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ. .} [الرعد: 6] .
أي: أن المغفرة عَلَت على الظلم، فالظلم يتطلب العقاب، ولكن رحمة الله ومغفرته عَلَتْ على أنْ تُعامِل الظالم بما يستحق، فرحمة الله سبقتْ غضبه، ونفس الملحظ نجده في قول الحق سبحانه: {الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [إبراهيم: 39] .
فالكبر كان يقتضي عدم الإنجاب ولكن هبة الله علت على سنة الكِبَر. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ}