ونُفي كونه من المشركين بحرف لم لأن {لم} تقلب زمن الفعل المضارع إلى الماضي ، فتفيد انتفاء مادة الفعل في الزمن الماضي ، وتفيد تجدّد ذلك المنفي الذي هو من خصائص الفعل المضارع فيحصل معنيان: انتفاءُ مدلول الفعل بمادته ، وتجدّد الانتفاء بصيغته ، فيفيد أن إبراهيم عليه السلام لم يتلبّس بالإشراك قط ، فإن إبراهيم عليه السلام لم يشرك بالله منذ صار مميّزاً ، وأنه لا يتلبّس بالإشراك أبداً.
و {شاكراً لأنعمه} خبر رابع عن {كان} .
وهو مدح لإبراهيم عليه السلام وتعريض بذرّيته الذين أشركوا وكفروا نعمة الله مُقابل قوله: {فكفرت بأنعم الله} [سورة النحل: 112] .
وتقدم قريباً الكلام على أنعُم الله.
وجملة {اجتباه} مستأنفة استئنافاً بيانياً ، لأن الثّناء المتقدّم يثير سؤال سائل عن سبب فوز إبراهيم بهذه المحامد ، فيجاب بأن الله اجتباه ، كقوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} [سورة الأنعام: 124] .
والاجتباء: الاختيار ، وهو افتعال من جبى إذا جمع.
وتقدم في قوله تعالى {واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} في سورة الأنعام (87) .
والهداية إلى الصراط المستقيم: الهداية إلى التوحيد ودين الحنيفية.
وضمير آتيناه التفات من الغيبة إلى التكلّم تفنّناً في الأسلوب لتَوَالي ثلاثة ضمائر غيبة.
والحسنة في الدنيا: كل ما فيه راحة العيش من اطمئنان القلب بالدين ، والصحة ، والسلامة ، وطول العمر ، وسعة الرزق الكافي ، وحسن الذكر بين الناس.
وقد تقدّم في قوله: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة} [سورة البقرة: 201] .
والصلاح: تمام الاستقامة في دين الحقّ.
واختير هذا الوصف إشارة إلى أن الله أكرمه بإجابة دعوته ، إذ حكى عنه أنه قال: {ربّ هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} [سورة الشعراء: 83] .